لطالما كانت أوروبا حليفاً وشريكاً تجارياً مرغوباً فيه في العالم، ولكن القارة العجوز تجد نفسها اليوم في وضعٍ متوتر مع غالبية القوى العظمى في العالم، في مشهد يعكس تحوّلاً عميقاً في موازين العلاقات الاقتصادية والسياسية.

فالعلاقة بين أوروبا وروسيا شهدت انقلاباً جذرياً منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، وهو تحوّل لم يقتصر على البعد السياسي، بل امتد ليضرب أحد أهم أعمدة الاقتصاد الأوروبي، أي أمن الطاقة، حيث فقدت القارة تدريجياً اعتمادها على النفط والغاز الروسيين، ما أدخلها في سباق مكلف لإيجاد بدائل، ورفع كلفة الطاقة على الصناعات الأوروبية.

أما الصين، الحليف اللدود للاتحاد الأوروبي، وثاني أكبر شريك تجاري له في السلع، فقد أغرقت أسواق التكتل بسلع رخيصة، مما ضغط على الصناعات المحلية وأضعف قدرتها التنافسية في دول مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا. وإلى جانب ذلك، استخدمت بكين ورقة المعادن والعناصر الأرضية النادرة كأداة ضغط، فقيّدت صادرات المعادن الحيوية مثل الغاليوم والجرمانيوم، الأمر الذي أربك سلاسل التوريد الأوروبية، خصوصاً في قطاعات التكنولوجيا والطاقة النظيفة.

أخبار ذات صلة

فاتورة باهظة الثمن تدفعها أوروبا بسبب إغلاق مضيق هرمز
ألمانيا تصف مضيق هرمز بـ "وتر أكيليس" للاقتصاد العالمي

ابتعاد الحليف الأقرب

وحتى الولايات المتحدة، الحليف الأقرب تاريخياً لأوروبا، لم تعد العلاقة معها على القدر نفسه من الانسجام، خصوصاً بعد عودة دونالد ترامب إلى موقع الرئاسة الأميركية وفرضه تعريفات جمركية أثّرت على الصادرات الأوروبية، إضافة إلى مطالبته المتكررة بإعادة النظر في التحالفات الاقتصادية والأمنية مع أوروبا.

كما أثارت تصريحات الرئيس دونالد ترامب المثيرة للجدل والمتعلقة بالاستحواذ على غرينلاند الدنماركية توترات غير مسبوقة بين أميركا وأوروبا، ليزداد المشهد تعقيداً مع التباينات في المواقف بشأن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، حيث وجّه ترامب انتقادات لاذعة لحلفاء أوروبيين في الناتو، مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا.

التخلي عن الكونفدرالية

وفي المحصلة، لم تعد أوروبا تقف في موقع مريح كما في السابق، بل باتت تجد نفسها مضطرة للقيام بعملية إعادة تموضع استراتيجي في عالم يتجه بسرعة نحو تعددية قطبية، حيث تختلط المصالح الاقتصادية بالتجاذبات الجيوسياسية.

وبحسب تقرير أعدته صحيفة "نيويورك تايمز"، واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فقد حذر ماريو دراغي، رئيس الوزراء الإيطالي السابق الذي أشرف على تقرير التنافسية للاتحاد الأوروبي، مؤخراً في خطاب له من أن أوروبا تُخاطر بأن تصبح تابعة، ومنقسمة، ومتراجعة صناعياً دفعة واحدة، إذا لم تتخذ خطوات منسقة للتعامل مع السياسات الصينية والأميركية.

وذهب دراغي في خطابه إلى حد الدعوة إلى تحويل التكتل إلى اتحاد أقوى يُنسق بين الدفاع والسياسة الصناعية والشؤون الخارجية، بالإضافة إلى السياسات التجارية والاقتصادية والنقدية، مشيراً إلى أن القوة تتطلب من أوروبا الانتقال من نظام الكونفدرالية إلى نظام الاتحاد.

نيران حرب إيران تشعل خسائر أوروبا

صدمة أسعار الغاز

والآن، ساهمت الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران بتفاقم المشاكل الاقتصادية المتنامية في أوروبا، وجعلت من الصعب على المنطقة التكيف والمنافسة. وقد ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 60 بالمئة مقارنةً بما كانت عليه قبل بدء الحرب في 28 فبراير 2026. وتتأثر بريطانيا وإيطاليا بشكل خاص نظراً لاعتمادهما الكبير على الغاز.

أخبار ذات صلة

هل يفشل رهان صناعة السفر والترفيه في أميركا على كأس العالم؟
ما أسباب استقرار أسعار الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة؟

وفي ألمانيا، أكبر اقتصاد في أوروبا، ارتفع التضخم بشكل حاد، ومن المتوقع أن يستمر في الارتفاع خلال الشهرين المقبلين على الأقل، وفقاً لتوقعات خبراء الاقتصاد في بانثيون مايكروإيكونوميكس.

كما يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة تكاليف الإنتاج للشركات والصناعات الأوروبية الكبرى كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل السيارات والكيماويات والآلات. ويساهم ذلك في تفاقم أزمة التنافسية المزمنة في أوروبا، والتي تتجلى في انخفاض حصتها في الاقتصاد العالمي.

فاتورة تريليونية تُرهق ميزانيات أوروبا

وكان تقرير صدر عام 2024 بتكليف من الأجهزة التنفيذية للاتحاد الأوروبي، الذي يضم 27 دولة، قد خلص إلى أن التكتل بحاجة إلى استثمار ما يقرب من تريليون دولار في الذكاء الاصطناعي، وشبكة طاقة مشتركة، والحوسبة الفائقة، وغيرها، لكي يتمكن من المنافسة.

وتأتي هذه الحاجة إلى الاستثمار في أسوأ وقت ممكن، نظراً لحجم الديون الهائل الذي تعاني منه معظم الدول الأوروبية. فبعد أن فقد القادة الأوروبيون ثقتهم في قدرتهم على الاعتماد على الضمانات الأمنية الأميركية، قاموا بالفعل بزيادة الإنفاق الدفاعي، حيث ضاعفت الدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إنفاقها العسكري خلال العقد الماضي. وبحلول عام 2030، من المقرر أن تنفق هذه الدول أكثر من تريليون دولار على المعدات الدفاعية والبنية التحتية ذات الصلة.

وفي الوقت نفسه، تُفاقم التكاليف المتزايدة لتوفير الخدمات الاجتماعية والمعاشات والرعاية الصحية لكبار السن الضغط على الميزانيات العامة. ومع وصول مستويات الدين إلى معدلات قياسية في دول مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، أصبحت تكاليف الاقتراض باهظة بشكل متزايد.

هذا وقام البنك المركزي الأوروبي بتخفيض توقعاته للنمو لهذا العام إلى 0.9 بالمئة من 1.2 بالمئة بسبب الارتفاع المفاجئ في أسعار الطاقة الناجم عن الحرب في الشرق الأوسط.

نهاية الركائز الثلاث

ويقول الدكتور ألفرد رياشي وهو عضو المنتدى الاقتصادي العالمي، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن النموذج الأوروبي الذي قام لعقود على الاستفادة من الطاقة الروسية الرخيصة، والتصدير إلى السوق الصينية، والاعتماد الأمني على الولايات المتحدة، بدأ يتفكك بشكل متزامن، ما أدخل القارة في ما يمكن وصفه بمرحلة إعادة تموضع قسري داخل النظام الاقتصادي العالمي، حيث لم تعد أوروبا قادرة على الاستفادة من ثلاث ركائز كانت تشكل أساس قوتها التنافسية والاستقرار النسبي في نموذجها الاقتصادي.

ويرى رياشي أن أخطر ما يواجه القارة اليوم ليس فقط ارتفاع التكاليف أو تراجع النمو، بل غياب بدائل جاهزة وسريعة تعوض هذا الفراغ الاستراتيجي، ما يفرض عليها إعادة بناء نموذجها الاقتصادي من الأساس، عبر تعزيز الاستقلالية في الطاقة، وتسريع الاستثمار في التكنولوجيا والصناعات المتقدمة، وإعادة تعريف علاقتها مع القوى الكبرى على قاعدة المصالح المتبادلة لا الاعتمادية غير المتوازنة.

كلفة مالية باهظة

ويضيف رياشي إن هذا المسار التحولي ورغم ضرورته، سيأتي بكلفة مالية مرتفعة للغاية، إذ ستجد الحكومات الأوروبية نفسها مضطرة إلى زيادة الإنفاق، في وقت تعاني فيه معظم الاقتصادات من مستويات دين مرتفعة، وعجز متصاعد في الموازنات العامة، فتمويل التحول الطاقوي وتطوير البنى التحتية التكنولوجية إلى جانب تعزيز القدرات الدفاعية، جميعها عناصر تتطلب استثمارات ضخمة قد تفوق قدرة العديد من الدول على التمويل دون اللجوء إلى مزيد من الاقتراض، لافتاً إلى أن هذا الضغط المالي المتزايد سيضع صناع القرار أمام معادلة صعبة، تتمثل في الموازنة بين متطلبات الأمن القومي بمفهومه الشامل طاقياً وعسكرياً وتقنياً، وبين الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي وحماية مكتسبات "دولة الرفاه" التي تتميز بها الدول الأوروبية.

الحل الوحيد

ويشرح رياشي أنه على الصعيد الداخلي، سيؤدي توجيه أوروبا مواردها نحو قطاعات الدفاع والتكنولوجيا إلى تقليص الهوامش المتاحة للإنفاق على الخدمات الأساسية والضمان الاجتماعي، مما قد يُؤجج الاحتقان الشعبي ويدفع التيارات السياسية نحو مزيد من الانقسام، أما على الصعيد الخارجي، فستجد القارة نفسها مضطرة لمنافسة قوى عظمى مثل الولايات المتحدة والصين، وهذا ما سيضعها أمام خيارين أحلاهما مر، فإما الانخراط في سباق تسلح واستثمار لا تملك سيولته الكافية، أو القبول بتبعية تكنولوجية وطاقية قد تخرجها نهائياً من خارطة التأثير العالمي.

ويعتبر رياشي أن الحل الذي طرحه ماريو دراغي بانتقال أوروبا إلى "نظام الاتحاد"، هو المخرج الوحيد القابل للتطبيق، ولكنه يصطدم أيضاً بصعود التيارات القومية داخل أوروبا التي ترفض التنازل عن السيادة.

أخبار ذات صلة

22 مليار يورو.. بروكسل تكشف عن "خسائر فادحة" بسبب حرب إيران
حرب إيران.. هل تعمق خسائر الأسهم الأوروبية؟

تغيّر قواعد اللعبة

من جهته يقول المحلل الاقتصادي محمد سعد في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن جوهر التوتر الذي تعيشه أوروبا اليوم لا يرتبط فقط بتبدّل علاقاتها مع القوى العظمى، بل بخلل أعمق في قدرتها على التكيّف مع عالم يتغيّر بسرعة أكبر من أدواتها السياسية والاقتصادية، فالقارة التي بنت نفوذها على القوة التنظيمية والقواعد متعددة الأطراف، تجد نفسها في نظام دولي يميل أكثر إلى منطق المصالح، حيث تتقدم الاعتبارات الجيوسياسية على قواعد التجارة الحرة، مشيراً إلى أن هذا التحول كشف محدودية النموذج الأوروبي القائم على التوافق البطيء، في وقت تتجه فيه الولايات المتحدة والصين إلى سياسات صناعية هجومية وسريعة.

أخبار ذات صلة

ما دلالات تراجع الحيازات الأجنبية للسندات الأميركية؟
لماذا خفضت معاهد البحوث توقعات نمو ألمانيا إلى النصف؟  

الاندماج المالي

ويشرح سعد أن أوروبا تعاني من فجوة زمنية في اتخاذ القرار، إذ أن آليات الإجماع داخل الاتحاد تجعل استجابتها للأزمات أبطأ من منافسيها، ما يفقدها القدرة على المبادرة ويضعها دائماً في موقع رد الفعل، مشدداً على أن تشخيص الأزمة الأوروبية الراهنة بات واضحاً، ولكن الحلول لا تكمن في المسكنات، بل في "جراحة هيكلية" تعيد تعريف القارة كقوة اقتصادية مستقلة، ولذلك فإن الحل الأول والمستعجل الذي يجب القيام به يتمثل في الاندماج المالي، فأوروبا لا يمكنها منافسة الإنفاق الأميركي أو الصيني بأسواق رأس مال مجزأة، وبالتالي هي بحاجة إلى سوق رأس مال أوروبي موحد، يسمح لمدخرات الأوروبيين بالتدفق نحو الشركات الناشئة والذكاء الاصطناعي داخل القارة، بدلاً من تمويل النمو في "وادي السيليكون".

الخيار المضمون

ويعتبر سعد أن التكامل في السياسات النقدية والبحث العلمي وحده، يمكنه تحويل أوروبا إلى قطب عالمي فاعل، يمتلك القدرة على فرض شروطه بدلاً من مجرد التكيف مع إملاءات الآخرين، مشيراً إلى أن انتقال أوروبا من نظام "الكونفدرالية المشتتة" إلى حالة "اتحاد مالي وصناعي"، هو الخيار المضمون الذي يتيح للقارة التوقف عن الاتكال على المظلة الأمنية الأميركية، ومواجهة السياسات الصناعية الصينية.

فاتورة باهظة الثمن تدفعها أوروبا بسبب إغلاق مضيق هرمز