تُظهر أسواق الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة قدراً لافتاً من الاستقرار، رغم موجة الاضطرابات التي دفعت الأسعار في أوروبا وآسيا إلى مستويات حادة بفعل المخاوف المرتبطة بالإمدادات العالمية وتداعيات التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
تُرسّخ البنية التحتية المحدودة لقدرات التسييل والتصدير في السوق الأميركية حالة من "العزل النسبي"، إذ تجعل القيود الفنية واللوجستية المرتبطة بتحويل الغاز إلى غاز طبيعي مسال، ثم شحنه إلى الخارج، تأثير الأسعار العالمية أقل حضوراً داخل السوق المحلية مقارنة بالنفط الخام شديد العولمة.
تتزامن هذه المعطيات مع دخول السوق مرحلة الربيع الانتقالية وتراجع الطلب الموسمي على التدفئة، إلى جانب وفرة الإنتاج المحلي القياسي، ما يعزز من قدرة الولايات المتحدة على امتصاص الصدمات الخارجية والحفاظ على توازن نسبي في الأسعار الداخلية.
وحافظت أسعار الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة على استقرارها بشكلٍ ملحوظ، على الرغم من ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال في أوروبا وآسيا.
دفعت المخاوف بشأن الإمدادات العالمية، المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط، أسعار الغاز في الخارج إلى الارتفاع بشكل حاد، إلا أن الأسعار المحلية في أميركا ظلت قريبة من مستوياتها الأخيرة "لأن السوق الأميركية لا تزال تتأثر بشكل كبير بظروف العرض والطلب المحلية"، بحسب تقرير لـ "ياهو فاينناس".
ويشير التقرير إلى أنه:
- على عكس النفط الخام، يُعدّ نقل الغاز الطبيعي حول العالم أكثر صعوبة. إذ يجب تبريد الغاز إلى درجات حرارة منخفضة للغاية ليتحول إلى غاز طبيعي مسال قبل شحنه إلى الخارج.
- تعتمد هذه العملية على محطات التسييل، ولا تمتلك الولايات المتحدة حاليًا القدرة الكافية لتصدير كميات أكبر من الغاز، حتى لو كان المشترون الدوليون على استعداد لدفع أسعار أعلى بكثير.
- أسهم هذا الاختناق في البنية التحتية في عزل السوق الأميركية فعليًا عن الارتفاع الحاد في أسعار الغاز الطبيعي المسال في الخارج.
كما تجنب المستهلكون الأميركيون الارتفاعات الكبيرة التي شهدتها الأسواق الخارجية لأن مرافق التصدير تعمل بالفعل بكامل طاقتها تقريبًا.
ويشير التقرير أيضاً إلى دخول السوق موسم الربيع الانتقالي، وهي فترة تقع بين الطلب على التدفئة الشتوية والطلب على التبريد الصيفي. ومع انخفاض الاستهلاك السكني والتجاري نتيجة لاعتدال درجات الحرارة، من المتوقع أن تكون عمليات ضخ الغاز في المخزون هي المحرك الرئيسي حتى ينتعش الطلب الصيفي.
أسواق الغاز
من جانبه، يقول مستشار أسواق الطاقة، مصطفى البزركان، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- أسواق الغاز الطبيعي تشهد موجة ارتفاعات ملحوظة، خاصة في دول الاتحاد الأوروبي، حيث قفزت الأسعار بنحو 60 بالمئة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.
- هذه الارتفاعات دفعت شركات إنتاج الغاز إلى تكثيف الاستفادة من محطات تسييل الغاز في جنوب الولايات المتحدة، لتوجيه شحنات إضافية إلى شمال أوروبا، ما أدى إلى اتساع الفجوة السعرية بين السوق الأميركية والأسواق الأوروبية.
ويشير البزركان إلى أن الولايات المتحدة تعتمد على مزيج متنوع من مصادر الإمداد، في مقدمتها الغاز الصخري والغاز المصاحب لعمليات استخراج النفط، إلى جانب وارداتها من كندا عبر خطوط الأنابيب، وهو ما أسهم في خلق وفرة كبيرة في المعروض المحلي.
ويضيف أن الولايات المتحدة تتصدر إنتاج الغاز الطبيعي عالمياً، مع توقعات ببلوغ الإنتاج مستوى قياسياً يصل إلى 110 مليارات قدم مكعبة يومياً خلال العام الجاري. ويأتي هذا النمو مدفوعاً بشكل رئيسي بإنتاج حوض أبالاتشيا، إلى جانب الغاز المصاحب في حوضي برميان وهاينزفيل، ما يعزز من قدرات البلاد التصديرية في سوق الغاز الطبيعي المسال.
كما يلفت إلى أن الاستهلاك المحلي سجل مستويات قياسية خلال عام 2025 بنحو 92 مليار قدم مكعبة يومياً، وهو ما يعكس قوة الطلب الداخلي، لكنه في الوقت ذاته لا يحد من قدرة الولايات المتحدة على توجيه صادرات إضافية إلى الأسواق الأوروبية، مع توقعات باستقرار نسبي في السوق.
ويختتم البزركان حديثه بالتأكيد على أن وفرة الإنتاج المحلي لعبت دوراً محورياً في حماية أسعار الغاز الأميركية من التقلبات الحادة التي تشهدها الأسواق العالمية، ما يعزز من موقع الولايات المتحدة كأكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال عالمياً، خاصة في ظل خططها لمضاعفة قدرات التسييل خلال السنوات المقبلة.
بين النفط والغاز
ويشير تقرير لـ marketplace، إلى أن حرب إيران أدت إلى تعطيل نحو 20 بالمئة من إمدادات الغاز الطبيعي المسال والنفط الخام عالميًا، وهما سلعتان أساسيتان. وكلاهما يُنتج بكثافة داخل الولايات المتحدة.
وينقل التقرير عن خبير اقتصاديات الطاقة في جامعة رايس، كين ميدلوك، قوله:
- "الولايات المتحدة هي في الواقع أكبر منتج للنفط الخام والغاز الطبيعي على كوكب الأرض.. لكن هناك فرقًا مهمًا بين النفط الخام والغاز الطبيعي".
- "النفط الخام ومشتقاته سوائل. ولذلك فهي سهلة جدًا في الشحن على السفن ونقلها حول العالم".
- هذه السهولة في النقل تجعل النفط الخام سلعة عالمية فعلًا، وهو ما يفسر لماذا تؤدي الصدمات الخارجية في الإمدادات إلى رفع الأسعار عالميًا. أما الغاز الطبيعي فهو مختلف، إذ إنه غاز، ويجب تحويله إلى سائل لكي يمكن نقله عبر البحار.
- "كي نصل إلى الغاز الطبيعي المسال، يجب فعليًا تبريد غاز الميثان إلى درجة 260 تحت الصفر فهرنهايت، أي إلى حالة تبريد فائق، بحيث يتحول إلى سائل".
ويشير أستاذ تمويل الطاقة في جامعة تكساس، توم سينغ، إلى أن الولايات المتحدة لديها قدرة محدودة من البنية التحتية الخاصة بإسالته، مضيفاً: "نحن مقيدون بقدرة مرافق التصدير لدينا، وتحديدًا مرافق تصدير الغاز الطبيعي المسال، على توفير أي كميات إضافية من الغاز الطبيعي تحتاجها الدول الأخرى".
حصانة محلية
وإلى ذلك، توضح أستاذة الاقتصاد والطاقة الدكتورة وفاء علي، في حديث مع موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، أن الغاز الأمريكي يبرز كعنصر حصانة محلية في لحظات الاختبار المفصلية لملف الطاقة، حيث يتأثر بعدة عوامل رئيسية، في مقدمتها وفرة الإنتاج المحلي، لا سيما من الغاز الصخري، إلى جانب التقدم في تقنيات الحفر الهيدروليكي والحفر الأفقي، ما عزز من قدرات الإنتاج وخلق حالة من التوازن في سوق الغاز الطبيعي.
وتضيف أن عامل التحوط والأمان الاستراتيجي يلعب دوراً مهماً، في ظل وفرة المخزونات، الأمر الذي يسهم في تخفيف الضغوط على الأسعار في الأجل القصير، وفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية.
وتؤكد أن الولايات المتحدة تؤدي دور "اللاعب المحترف" في تعزيز مرونة سوق الغاز العالمية، خاصة مع تصاعد صادراتها إلى أوروبا، لافتة إلى أن الإنتاج الأميركي يبلغ نحو 111.4 مليار قدم مكعب يومياً خلال الشهر الجاري، بحسب بيانات بورصة لندن، وهو ما يعكس قوة البنية التحتية لقطاع الغاز.
وتشير إلى أن محطات التصدير التسع في الولايات المتحدة تعمل بأقصى درجات الكفاءة والمرونة، مع تسجيل صادرات تصل إلى 19.1 مليار قدم مكعب يومياً، ما يعزز قدرة منظومة الغاز الأميركية على التكيف مع التوترات الجيوسياسية، دون تأثر يُذكر بأزمات الإمدادات أو اضطرابات أجندة الطاقة العالمية.