"من يراهن على الإمارات يراهن على النمو.. ويراهن على الازدهار.. ويراهن على المستقبل الأفضل بإذن الله". بهذه الرؤية الواثقة التي صاغها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، يمكن قراءة المشهد الاقتصادي والاجتماعي الراهن في الدولة.

 وما التقرير الأخير لصحيفة "فايننشال تايمز" إلا انعكاس واقعي لنجاح هذا الرهان، حيث كشفت البيانات عن تمسك استثنائي من الجالية البريطانية بالبقاء والمضي قدماً في خططهم الاستثمارية والتعليمية، رغم المتغيرات الإقليمية. إن هذا الثبات يبرهن على أن الدولة لم تعد مجرد مركز للأعمال، بل أصبحت ضمانة عالمية للاستقرار والنمو المستدام.

أخبار ذات صلة

سلطان الجابر: بقوة صناعتنا نحوّل التحديات إلى قوة راسخة
2025.. عام الصلابة المالية والإنجازات النوعية في الإمارات

 ومن هنا، يبرز التساؤل الجوهري حول محركات هذه الثقة: فما وراء تمسك المستثمرين بالبقاء في الإمارات رغم الظروف الراهنة؟ وما هي مقومات صمود الاقتصاد الإماراتي في وجه التوترات الجيوسياسية؟ وبالنتيجة، لماذا يفضل المستثمر والاستثمارات الأجنبية المباشرة البقاء في الإمارات رغم تقلبات المنطقة؟

الاستدامة الديموغرافية.. رهان بريطاني على الاستقرار

وفقاً لبيانات رسمية أوردها تقرير صحيفة "فايننشال تايمز"، أظهر المقيمون البريطانيون تمسكاً لافتاً بالبقاء في دولة الإمارات رغم التوترات الإقليمية. وتشير الإحصاءات إلى أن:

  • نحو 210 آلاف مقيم بريطاني قرروا الاستمرار والبقاء في الدولة، من إجمالي 240 ألف (بمن فيهم السياح) كانوا متواجدين قبل الاعتداءات الإيرانية.
  • فضّل 7 من كل 8 بريطانيين مقيمين البقاء في الإمارات، في حين وصفت الصحيفة الحياة بأنها ظلت "طبيعية" في كثير من مناحيها بمعزل عن الاعتداءات الإيرانية.
  • عززت البيئة منخفضة الضرائب والبنية التحتية المتطورة من ثقة الأفراد والمستثمرين على حد سواء، وفقاً للمصدر ذاته.

قطاع التعليم.. قاطرة نمو بمليارات الدولارات

وكشف تقرير الصحيفة البريطانية أن دولة الإمارات تحولت إلى وجهة استثمارية رائدة لمجموعات التعليم البريطانية الكبرى، مدعومة بمؤشرات ربحية ونمو مرتفعة:

أخبار ذات صلة

عام استثنائي.. 385 مليار دولار أصول مبادلة للاستثمار في 2025
السوق العقارية في أبوظبي تسجل أعلى أداء ربع سنوي في تاريخها
مركز دبي التجاري العالمي يستقطب 3 ملايين مشارك في 2025
ما سر النمو الاستثنائي للتجارة الخارجية الإماراتية؟
  • توسع مؤسسي: استمرار المشاريع الكبرى مثل افتتاح فرع "مدرسة هارو الدولية" بدبي في أغسطس 2026، بالإضافة إلى إعلان 6 مدارس بريطانية أخرى عزمها افتتاح أفرع جديدة في ذات التوقيت.
  • القيمة السوقية: بلغت قيمة سوق التعليم الخاص (مرحلة رياض الأطفال) 10.34 مليار دولار في 2025، مع توقعات بالقفز إلى 17.35 مليار دولار بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مركباً يناهز 10.9بالمئة.
  • العوائد التشغيلية: تتمتع المدارس العاملة بطاقتها الكاملة بهوامش ربح تتراوح بين 32 بالمئة و35 بالمئة.
  • وتستهدف هيئة المعرفة والتنمية البشرية افتتاح ما لا يقل عن 100 مدرسة خاصة جديدة بحلول 2033، في إطار استراتيجية دبي للتعليم.

سياحة الأعمال والمنظومة القانونية الدولية

تعزز البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات الحكومية في دبي صورة الإمارة كمركز عالمي لا يتأثر بالمتغيرات:

  • زخم سياحة الأعمال: استقبل مركز دبي التجاري العالمي نحو 3 ملايين مشارك في فعاليات 2025، بزيادة سنوية 12بالمئة، حيث بلغت نسبة المشاركين الدوليين 43 بالمئة، فيما جاءت 78 بالمئة من الجهات العارضة من خارج الدولة.
  • رسوخ البيئة القانونية: رصدت دائرة الشؤون القانونية لحكومة دبي ارتفاعاً في ترخيص مكاتب الاستشارات القانونية الدولية لتصل إلى 86 مكتباً، فيما ارتفع عدد المستشارين القانونيين إلى 3433 مستشاراً ينتمون لـ 91 جنسية، ما يمثل غطاءً قانونياً عالمياً للاستثمارات.

قفزة نوعية للمراكز المالية

سجلت إمارة دبي أعلى تصنيف لها على الإطلاق في مؤشر المراكز المالية العالمية (GFCI)الصادر أخيراً، متقدمة إلى المركز السابع عالمياً، ما يعكس تسارع وتيرة صعودها كواحدة من أكثر المراكز المالية تأثيراً على مستوى العالم، ويعزز مكانتها الراسخة ضمن منظومة النظام المالي الدولي.

ويمثل هذا الإنجاز خطوة مهمة لإمارة دبي في مسيرتها نحو تحقيق مستهدفاتها الطموحة لتصبح واحدة من أفضل أربعة مراكز مالية عالمية بحلول عام 2033، بما يتماشى مع مستهدفات أجندة دبي الاقتصادية D33 التي تهدف إلى تعزيز دور الإمارة مركزاً عالمياً للمال والاستثمار والابتكار.

مؤشرات عالمية

  • حافظت دولة الإمارات على المرتبة 17 عالميا والأولى في الشرق الأوسط في مؤشر هينلي للفرص 2026، الصادر ضمن تقرير هينلي للتعليم 2026، بإجمالي 68 نقطة من أصل 100. ويقيس هذا المؤشر قدرة الدول على تحويل التعليم إلى نجاح اقتصادي مستدام.
  • حلت الإمارات ضمن المراكز الثلاثة الأولى لأفضل دول العالم للعيش، وفقاً لتقرير مؤسسة «هينلي آند بارتنرز، حيث قفزت الدولة من المركز الخامس لتتشارك المركز الثاني عالمياً في "مؤشر برامج الإقامة العالمي". وبينما احتلت اليونان الصدارة، جاءت الإمارات في المركز الثاني (مكرر) مع كل من إيطاليا وسويسرا. وذلك بفضل عوامل الجذب التي تشمل الأمن والأمان، وانعدام ضريبة الدخل، وتوافر الفرص الواعدة للمهنيين والشركات،
  • حققت الإمارات المركز الأول عربياً والمركز  الـ 21 عالمياً في مؤشر "السعادة" لعام 2026، وفق تقرير السعادة العالمي الصادر عن شبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة، استناداً إلى بيانات مؤسسة "غالوب".
  • حلَّت الإمارات في المركز الأول عربياً والـ44 عالمياً في جودة الحياة، وفقاً لمؤشر التقدم الاجتماعي 2026، الذي يقيّم البيانات الاجتماعية والاقتصادية لـ171 دولة، والصادر عن مؤسسة "مبادرة التقدم الاجتماعي" (سوشيال بروجريس أمبراتيف)، بالتعاون مع شركة "ديلوت" ومؤسسة "سكول".
  • احتلت الإمارات العربية المتحدة المركز الأول عالمياً في أداء الاستثمار الأجنبي المباشر الجديد 2025، وذلك نسبةً إلى حجم اقتصادها، والصادر عن مؤسسة «إف دي آي انتيلجانس»، الذي صنف الدولة في المرتبة الثانية عالمياً كأكثر وجهة مفضلة للاستثمار الأجنبي المباشر بعد الولايات المتحدة الأميركية من حيث المشاريع الوافدة.

"المرونة المُصممة" تعزز النمو

في حديثه لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" قال الخبير الاقتصادي علي حمودي: "ينظر العديد من المستثمرين البريطانيين، بل والدوليين أيضاً، إلى دبي والإمارات العربية المتحدة كمركز أعمال عالمي يتمتع بمرونة وموثوقية عاليتين، بفضل أسسه القوية التي تُمكّن الشركات من التركيز على النمو والاستمرارية وتحقيق القيمة في بيئة عمل مستقرة".

وتحدث حمودي عن العوامل التي تُسهم في مرونة اقتصاد دولة الإمارات في مواجهة التوترات الجيوسياسية قائلاً: "تستند مرونة اقتصاد دولة الإمارات في مواجهة التوترات الجيوسياسية الإقليمية إلى استراتيجية استباقية، تُعرف باسم "المرونة المُصممة"، وتتميز بتنويع اقتصادي واسع النطاق، واحتياطيات مالية ضخمة، واستجابات سياسية سريعة ومنسقة. وحتى مطلع عام 2026، واصلت دولة الإمارات الحفاظ على معدلات نمو مرتفعة، حيث تهيمن القطاعات غير النفطية على نشاطها الاقتصادي، مما يحميها من تقلبات سوق الطاقة".

تنوع القطاعات يحمي الاستدامة

وذكر حمودي العوامل الرئيسية التي تُسهم في مرونة اقتصاد دولة الإمارات كما يلي:

  • نمو كبير في القطاعات غير النفطية: تُساهم القطاعات غير النفطية حالياً بأكثر من 70 بالمئة إلى 75 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي لدولة الإمارات، وتشمل محركات النمو السياحة والطيران والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية والتصنيع. ويتيح هذا التنويع للاقتصاد العمل بكفاءة حتى في حال تعطل صادرات الطاقة.
  • الاستجابة الاستباقية للحكومة والقدرة على التكيف التنظيمي: تُعد حكومة دولة الإمارات رائدة في مرونتها، حيث تُحدّث باستمرار اللوائح لدعم استمرارية الأعمال، مثل تقديم ملكية أجنبية كاملة في العديد من القطاعات، وتأشيرات إقامة ذهبية طويلة الأجل، ونسبة ضريبة شركات تنافسية تبلغ 9 بالمئة.
  • قطاع مصرفي مستقر وقوي: يتميز النظام المصرفي في الإمارات برأس مال وسيولة عاليتين، مع انخفاض نسب القروض المتعثرة. ويقدم مصرف الإمارات المركزي دعماً استباقياً للسيولة للحفاظ على تدفق الائتمان خلال الأزمات. كما تضم دبي مركز دبي المالي العالمي الشهير، الذي كان ولا يزال، وجهةً جاذبةً لمديري الثروات والأصول العالميين والإقليميين، والمكاتب العائلية الدولية والمحلية والإقليمية، وشركات رأس المال المخاطر، ومقدمي الخدمات المصرفية الخاصة.

ويرجع الخبير الاقتصادي حمودي السبب الرئيسي، الذي يدفع الكثيرين لاختيار دبي موطناً لهم ولعائلاتهم هو الأمان وجودة الحياة التي توفرها، مشيراً إلى أن دبي تصنف باستمرار ضمن أكثر المدن أماناً في العالم. وينعكس التزام دولة الإمارات بالأمن العام والاستقرار الاجتماعي في انخفاض معدلات الجريمة، وكفاءة الخدمات العامة، وقوة الشعور بالانتماء للمجتمع. إلى جانب البنية التحتية الحديثة، وكرم الضيافة الاستثنائي، والأنشطة الثقافية والترفيهية على مدار العام، حيث أصبحت هذه الجودة المعيشية عاملاً مهماً في قرار العديد من العائلات الأجنبية بالاستقرار الدائم.

ثقة هيكلية تتجاوز الأزمات

من جانبه، قال الرئيس التنفيذي لمركز "كوروم للدراسات الاستراتيجية" طارق الرفاعي، في حديثه لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية": "يعكس مستوى الثقة بين المغتربين البريطانيين في الإمارات العربية المتحدة عوامل هيكلية في المقام الأول، وليس مجرد مشاعر. فقد رسّخت الدولة سمعة طيبة بفضل استقرار سياساتها، وانخفاض الضرائب، وبنيتها التحتية الحديثة، وأمنها القوي".

وأضاف: "كما ساهمت إجراءات مثل تأشيرات الإقامة طويلة الأجل وقواعد الملكية الأجنبية في تسهيل العيش والاستثمار. وتشير البيانات التي نشرتها صحيفة فايننشال تايمز إلى ستمرار تدفق الكفاءات ورؤوس الأموال حتى في ظل التوترات الإقليمية، حيث ينظر المستثمرون إلى دولة الإمارات كمركز لوجستي ومالي يربط آسيا وأوروبا وأفريقيا".

وخلص الرفاعي إلى أن الاستقرار يسهم في التنويع الاقتصادي بعيداً عن النفط، والحكم الرشيد في الحفاظ على استقرار رؤوس الأموال".

الإمارات.. صمود في وجه الاعتداءات الإيرانية