حذر صندوق النقد الدولي من أن نقل البنية التحتية للتداول في وول ستريت، إلى أنظمة قائمة على تقنية البلوكشين قد يُسرّع الأزمات المالية بما يتجاوز قدرة الجهات التنظيمية على الاستجابة، حتى مع الوعود التي توفّرها هذه التقنية بخفض التكاليف والقضاء على تأخيرات التسوية.

وكتب توبياس أدريان من صندوق النقد الدولي، في تقرير نُشر الخميس الماضي، أن "الترميز"، أي تحويل الأصول مثل الأسهم والسندات والنقد إلى رموز رقمية يتم تسجيلها على أنظمة مشتركة، يُمثّل تغييراً جذرياً في بنية النظام المالي، وليس مجرد تحسين بسيط في كفاءته.

أخبار ذات صلة

غورغييفا: حرب الشرق الأوسط ستبطئ النمو وترفع التضخم
صندوق النقد: حرب إيران تشكل عبئا كبيرا على الاقتصاد العالمي

سلاح ذو حدين

وبحسب أدريان فإن هذه التكنولوجيا ستسمح للمداولات بالتحرك بسرعة أكبر عبر النظام، مشيراً إلى أن ما يراه البعض "ميزة" في هذا الأمر، هو في الوقت عينه "نقطة ضعف"، إذ من المرجح أن تتطور أحداث الأزمات والضغوط بشكل أسرع، مما يحرم المنظمين من فرصة التدخل الفوري، في حين تساعد التأخيرات التي تتسبب بها أساليب التسوية المعمول بها حالياً، في منح البنوك المركزية والجهات التنظيمية هامشاً زمنياً للتعامل مع الأزمات قبل تفاقمها.

ووفقاً لتقرير أعدته "بلومبرغ"، واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، يقول توبياس أدريان في تقرير صندوق النقد الدولي الذي نُشر مؤخراً، إنه في نظام تسوية فوري ومستمر، لا يملك المنظمون وقتاً كافياً للتدخل قبل حدوث طلبات تغطية الهامش، حيث أن نظام "الترميز" القائم على تقنية البلوكشين يعمل على مدار الساعة، في حين أن آليات الإقراض الطارئ للبنوك المركزية قد صُممت للتعامل مع الأزمات التي تحدث خلال ساعات العمل الرسمية فقط.

ويعتبر التقرير، أن العملات المستقرة الصادرة عن جهات خاصة، والتي تُستخدم بشكل متزايد كأصول تسوية في الأسواق المُرمّزة، فعّالة في الظروف المستقرة، ولكنها تظل عرضة لمخاطر عند حدوث موجة سحب جماعي للأموال.

3 سيناريوهات

ورسم تقرير صندوق النقد، ثلاثة سيناريوهات لتطور التمويل المرمّز، هي، نظام منسق مدعوم بالعملات الرقمية للبنوك المركزية، أو مجموعة مجزأة من المنصات الوطنية غير المتوافقة، أو عالم تهيمن عليه العملات المستقرة الخاصة حيث تضعف الضمانات العامة.

أخبار ذات صلة

كم من الوقت يستغرقه الاقتصاد العالمي للتعافي؟
الزمن عدوّ الاقتصاد: كلّما طال الصراع، استعصى الخروج

ما الحلول؟

وأكد التقرير أن السياسات التنظيمية يجب أن تستجيب لإعادة التوزيع الهيكلي، للثقة والمخاطر التي تنطوي عليها البنى التحتية المرمّزة، مقترحاً حلولاً مثل ربط عمليات التسوية بنقد آمن، إضافة إلى توضيح الوضع القانوني للأصول المرمّزة، حيث أنه لتحقيق هذه النتيجة، يجب على صنّاع السياسات التعامل بفاعلية واستباقية مع التداعيات الهيكلية للتحول الرقمي، بدلاً من مجرد الاكتفاء بردود فعل تجاه مظاهره.

واعتبر تقرير صندوق النقد أن الفرصة سانحة لتشكيل بنية النظام المالي القائم على الرموز الرقمية، ولكن الأمر لن يبقى كذلك إلى الأبد.

ما هو التمويل المُرمّز؟

والتمويل المرمّز (Tokenized Finance) هو عملية تحويل الأصول الحقيقية، سواء كانت أسهماً، سندات، عقارات، أو حتى عملات تقليدية، إلى رموز رقمية (Tokens) مشفرة يتم تداولها وتسجيلها عبر تقنية البلوكشين. ويهدف هذا النظام إلى جعل التداول فورياً وغير مركزي، بحيث يمتلك المستثمر حصة رقمية من أصل مادي، مما يرفع من مستوى السيولة ويقلص التكاليف والتعقيدات البيروقراطية التقليدية.

مؤسسات تتبنى التمويل المرمّز

وتُجري البنوك وغرف المقاصة ومديرو الأصول، بما في ذلك بلاك روك وجيه بي مورغان تشيس، تجارب عملية لاختبار تقنية الترميز، التي يأملون أن تُعزز الرسوم من خلال تسهيل تداول الأصول التقليدية كالأسهم والسندات.

وفي سبتمبر الماضي، سعت بورصة ناسداك للحصول على موافقة هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، للسماح بترميز الأسهم وتداولها في منصات منظمة. كما أنه وفي وقت سابق من هذا العام، أعلنت بورصة نيويورك أنها بصدد إنشاء منصة تستخدم تقنية البلوك تشين لتمكين تداول الأسهم المُرمّزة وصناديق المؤشرات المتداولة على مدار الساعة.

نظام سريع وأزمات أسرع

ويقول الخبير في التحول الرقمي والأمن السيبراني جان ميشال كوكباني، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن التحول نحو التمويل المرمّز، يحمل في طياته مزايا واضحة، فنحن نتحدث عن تفوقٍ كاسحٍ على الأنظمة التقليدية من حيث السرعة الفائقة في التنفيذ، وتدفق السيولة، وسهولة انتقال الأموال بشكل شبه فوري عبر النظام المالي، ولكن هذه السرعة تتحول إلى نقطة ضعف في أوقات الأزمات، حيث أن التمويل المرمّز يتيح القيام بعمليات تصفية في غضون ثوانٍ معدودة، مما قد يخلق تأثيراً تراكمياً يشبه "كرة الثلج"، مشيراً إلى أنه بمجرد بدء موجة من التسييل أو التصفية القسرية، قد يندلع ضغط بيعي هائل لا يمكن كبحه، ما يؤدي إلى تسارع وتيرة الانهيار المالي والاقتصادي بشكل يفوق قدرة البشر على الاستدراك.

أخبار ذات صلة

بلومبرغ: صندوق النقد يدرس احتمال دعم دول متضررة من حرب إيران
عملة "تونكوين" تمحو 2.7 مليار دولار من قيمتها

ويشرح كوكباني أنه في الأنظمة المالية التقليدية، تمتلك السلطات النقدية عنصر الوقت، فالبطء الإجرائي في سحب السيولة، يمنح هامشاً لفرض قيود على حركة الرساميل، وتهدئة وتيرة الذعر بين المودعين والمستثمرين، علاوة على ذلك لا يمكن إغفال عامل الزمن، حيث أن الأنظمة التقليدية محكومة بساعات عمل رسمية، وهو ما يعمل ككوابح طبيعية تبطئ من سرعة التدهور، في حين أن الأصول المرمّزة، تعمل في فضاءٍ لا ينام ولا يعرف العطلات، مما يجعل التعقيدات تتفاقم وتتشابك بسرعة البرق.

ويضيف كوكباني إنه في الأنظمة المالية التقليدية، يمكن للمصارف المركزية أن تتدخل عبر ضخ السيولة أو تعليق التداول لاتخاذ إجراءات حمائية، أما في النظام المرمّز، فبحلول الوقت الذي يستعد فيه المصرف المركزي للتدخل، يكون الانهيار قد أتمّ دورته بالكامل، مخلفاً وراءه واقعاً يصعب ترميمه.

أخبار ذات صلة

شركة تابعة لـ "فينكس غروب" تبرم عقدا بـ 187 مليون دولار
بعد خطوة "باي بال".. ما هي "العملات المستقرة"؟

انتقال مفاتيح السيطرة

من جهته يقول المحلل المالي والاقتصادي محمد أبو الحسن، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن النقاش الدائر حول مخاطر التمويل المُرمّز، لا يجب أن يقتصر على مسألة تسريع الأزمات فحسب، بل يتعداه إلى إعادة رسم خريطة مراكز القوة داخل النظام المالي العالمي، حيث أن الانتقال إلى بنى تحتية قائمة على تقنية البلوكشين، لا يعني فقط تغيير آليات التداول والتسوية، بل يمثل تحولاً في الجهة التي تتحكم فعلياً بتدفقات الأموال، لافتاً إلى أنّ الأنظمة التقليدية تقوم على وسطاء ماليين واضحين، من بنوك ومؤسسات مقاصة، أما في النظام المُرمّز، فإن جزءاً كبيراً من هذه الأدوار يُنقل إلى بروتوكولات رقمية أو منصات لامركزية، ما يحدّ من قدرة السلطات على فرض سياسات نقدية أو رقابية فعّالة.

ويرى أبو الحسن، أن التحول نحو التمويل المرمّز قد يؤدي إلى ما يمكن تسميته بـ "تآكل السيادة النقدية"، خصوصاً في الدول النامية، حيث تصبح حركة رؤوس الأموال أكثر تحرراً وأقل خضوعاً للرقابة المحلية، ما سيضعف أدوات التحكم بسعر الصرف، كما أنه يجب الحذر أيضاً من مستوى الترابط غير المسبوق الذي يخلقه التمويل المرمّز بين مختلف مكونات النظام المالي، بحيث لا تبقى الأزمات محصورة في قطاع معين، بل تمتد بشكل متزامن إلى عدة قطاعات.

عقود ذكية خارج السيطرة

وبحسب أبو الحسن، فإن الحلول التي طرحها صندوق النقد الدولي، تُشكّل خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكنها لا تزال أقرب إلى إطار نظري عام منها إلى خطة تنفيذية مكتملة الأركان، لافتاً إلى أن ربط عمليات التسوية بأصول نقدية آمنة، إضافة إلى توضيح الوضع القانوني للأصول المُرمّزة، عنصران أساسيان لضبط المخاطر، إلا أنهما لا يعالجان ثغرة "العدوى الخوارزمية"، فالتمويل المرمّز يضعنا أمام عقود ذكية مبرمجة للتنفيذ التلقائي عند هبوط الأسعار لمستويات معينة، وهذا يعني أن التسييل لا ينتظر قراراً بشرياً، بل يقع في أجزاء من الثانية وبشكل تسلسلي لا يمكن وقفه.

ووفقاً لأبو الحسن، فإن مقترح صندوق النقد الدولي بتوضيح الوضع القانوني للأصول المرمّزة، يواجه معضلة تتمثل في أن البلوكشين هي تكنولوجيا عابرة للحدود، بينما القوانين هي تشريعات تخضع للسطات المحلية في كل دولة، لذا فإن توضيح الوضع القانوني للأصول المرمّزة، يحتاج إلى توافق دولي وهو أمر غير ممكن حالياً، معتبراً أن الحل الحقيقي الذي يجب العمل عليه، يتمثل في بناء "برمجية تنظيمية" تعمل ضمن أنظمة تشغيل الأصول المرمّزة، بحيث تقوم هذه البرمجية بإبطاء سرعة التداول تلقائياً بمجرد رصدها لتذبذبات غير منطقية، تماماً كما يحصل في البورصات التقليدية، ولكن بنسخة رقمية لا تتدخل فيها الأهواء البشرية.