تتزامن التوترات الجيوسياسية مع السياسات التجارية في لحظة حرجة لقطاع الطيران الأوروبي، لتكشف عن معادلة معقدة تهدد أمن الطاقة واستدامة التحول الأخضر في آن واحد.
بين اضطرابات الإمدادات الناجمة عن الحرب في إيران، وقرارات بروكسل بفرض رسوم مكافحة الإغراق، يجد القطاع نفسه أمام ضغوط متزايدة تعيد رسم خريطة المخاطر التشغيلية.
يبرز وقود الطائرات كعنصر حاسم يؤثر على كلفة التشغيل، ويمتد تأثيره ليطال تنافسية الشركات وقدرتها على الالتزام بأهداف خفض الانبعاثات.
ومع اعتماد أوروبا المتزايد على سلاسل إمداد حساسة تمر عبر نقاط جيوسياسية ملتهبة، تتعاظم هشاشة القطاع أمام أي اضطراب مفاجئ.
ومع تصاعد التحذيرات من نقص محتمل في الإمدادات خلال الأشهر المقبلة، تبدو صناعة الطيران الأوروبية أمام اختبار مزدوج: تأمين الوقود في بيئة دولية مضطربة، والحفاظ في الوقت نفسه على زخم التحول نحو الطاقة النظيفة دون الوقوع في فخ الأزمات قصيرة الأجل.
قواعد أوروبية
في هذا السياق، كتبت مجموعات صناعية إلى المفوضية الأوروبية قائلة إن شركات الطيران تواجه نقصًا في وقود الطائرات ما لم تتراجع بروكسل عن قرارها بفرض رسوم مكافحة الإغراق على الواردات الأميركية، مما يؤدي إلى تفاقم أزمة وقود الطائرات.
وقعت مجموعات من بينها الاتحاد الدولي للنقل الجوي، وشركات الطيران الأوروبية، وريان إير، وبوينغ، على الرسالة الموجهة إلى الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي، والتي مددت الرسوم الجمركية على وقود الديزل الحيوي من الولايات المتحدة وكندا إلى شركة SAF في شهري سبتمبر وأكتوبر.
وقالوا إنهم كانوا سيخفقون على الأرجح في تحقيق أهدافهم المتعلقة بالوقود الأخضر، مما سيؤدي إلى إبطاء التحول من الوقود الأحفوري الذي يعاني من نقص في الإمدادات بعد حرب إيران.
جاء في الرسالة: "نعتقد بأن هذا القرار يهدد بتقويض أهداف الاتحاد الأوروبي لإزالة الكربون من قطاع الطيران، وإضعاف القدرة التنافسية لقطاع الطيران الأوروبي، وخلق حالة من عدم اليقين غير الضروري في لحظة يكون فيها الحجم وثقة الاستثمار والتعاون عبر الأطلسي أموراً أساسية".
من جانبها، أعلنت المفوضية أنها تراقب عن كثب تنفيذ تفويض الاتحاد الأوروبي بشأن وقود الطيران المستدام. وأضافت أنها ملتزمة بدعم إنتاج هذا الوقود، والنظر في اتخاذ إجراءات في حال تعرض صناعة وقود الطيران المستدام في الاتحاد الأوروبي لممارسات تجارية وتسعيرية غير عادلة.
أزمة الوقود
يؤكد المدير التنفيذي لمركز كوروم، طارق الرفاعي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، أن:
- أوروبا تتأثر بشكل مباشر بأزمة وقود الطائرات، في ظل ارتفاع التكاليف وتزايد مخاطر الإمدادات.
- جزء كبير من احتياجات الوقود يعتمد على الشحنات العابرة عبر مضيق هرمز وقناة السويس.
- أي تصعيد في النزاعات يؤدي إلى زيادة تكاليف التأمين والشحن، ما يفرض ضغوطًا فورية على شركات الطيران.
ويوضح الرفاعي أن الوقود يمثل ما بين 25 و30 بالمئة من إجمالي تكاليف تشغيل شركات الطيران، وفق تقديرات الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا)، وهو ما يجعل القطاع شديد الحساسية لتقلبات الأسعار وسلاسل الإمداد.
ويشير إلى أن بعض شركات الطيران الأوروبية تُعد أكثر عرضة للمخاطر المالية، مثل الخطوط الجوية الإسكندنافية والخطوط الجوية البرتغالية والخطوط الجوية الفنلندية والخطوط الجوية الإيطالية، نظرا لاعتمادها السابق على إعادة الهيكلة أو الدعم الحكومي. في المقابل، يلفت إلى أن المجموعات الكبرى مثل لوفتهانزا وريان إير تتمتع بمرونة أكبر بفضل احتياطيات سيولة أقوى، ما يمنحها قدرة أفضل على امتصاص الصدمات.
بريطانيا.. الأكثر تأثراً
وينقل تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" عن رئيس شركة رايان إير، قوله إن المملكة المتحدة هي السوق "الأكثر عرضة للخطر" في أوروبا بسبب اضطرابات محتملة في وقود الطائرات نظراً لاعتمادها على النفط من الكويت، محذراً من أن شركة الطيران قد تضطر إلى إلغاء الرحلات الجوية خلال أشهر الصيف الرئيسية إذا استمرت الحرب في إيران في الضغط على الإمدادات.
وأفاد مايكل أوليري يوم الأربعاء بأنه "من بين جميع الدول الأوروبية في الوقت الحالي، فإن المملكة المتحدة هي الأكثر عرضة للخطر بسبب الحصة السوقية التي يمتلكها الكويتيون هنا في المملكة المتحدة".
استوردت بريطانيا ما لا يقل عن نصف وقود طائراتها من الشرق الأوسط في الأشهر الأخيرة، بعد أن تخلت عن الإمدادات الروسية في أعقاب الحرب في أوكرانيا وفي ظل تراجع عمليات التكرير المحلية.
بلغ الطلب البريطاني على وقود الطائرات 12 مليون طن في عام 2025، وكان معظمها مستورداً، وكانت الكويت مورداً كبيراً بشكل خاص.
قالت وزارة أمن الطاقة وصافي الانبعاثات الصفرية: "لا تزال شحنات وقود الطائرات تصل إلى المملكة المتحدة"، وأضافت أن المملكة المتحدة استوردت وقود الطائرات من دول من بينها الهند والولايات المتحدة وهولندا.
أدى الصراع إلى توقف شحنات النفط من الشرق الأوسط التي عادة ما تمر عبر مضيق هرمز، وقال أولياري إن شركة الطيران تجري اتصالات يومية مع موردي الوقود في أوروبا لتقييم الوضع.
ارتفعت أسعار المنتجات المكررة مثل الديزل بشكل كبير، بينما تضاعفت أسعار وقود الطائرات بالجملة منذ بداية الحرب.
وقال: "إذا كان هناك خطر على 10 أو 20 بالمئة من إمدادات الوقود في يونيو أو يوليو أو أغسطس، فسيتعين علينا نحن وشركات الطيران الأخرى البدء في النظر في إلغاء بعض الرحلات أو تقليص بعض السعة".
مخاوف متصاعدة
من جانبها، تقول خبيرة النفط والغاز لوري هايتان، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- المؤشرات الحالية في أوروبا تُظهر توفر تغطية كافية لاحتياجات وقود الطائرات خلال شهر أبريل، إلا أن المخاوف تتصاعد بشأن الفترة التي تليه.
- "إذا استمر الوضع الجيوسياسي كما هو، فقد تواجه الأسواق أزمة فعلية بدءاً من شهر مايو".
- هذه المخاوف بدأت تنعكس بالفعل على سلوك شركات الطيران، حيث شرعت بعض الشركات في إعادة تقييم جداول رحلاتها، تحسباً لأي نقص محتمل في الإمدادات، ما يعكس حالة القلق المتزايدة داخل القطاع.
وتضيف هايتان أن التحذيرات الحالية ترتبط بشكل مباشر باستمرار التوترات الجيوسياسية وغموض المشهد في منطقة مضيق هرمز، الذي يعد شرياناً حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية، مؤكدة أن "استمرار الغموض حول مستقبل الملاحة في المضيق، إلى جانب احتمالات إطالة أمد النزاع، يضع الأسواق أمام سيناريوهات مفتوحة ومقلقة".
وتشير إلى أن الوقت المتاح أمام صناع القرار محدود، حيث لا يتجاوز شهراً واحداً لإيجاد حلول قبل تفاقم الأزمة، محذرة من أن "أي تصعيد في مايو قد يؤدي إلى إلغاء عدد كبير من الرحلات الجوية، ما سينعكس بشكل مباشر على حركة السفر العالمية".
وفي السياق ذاته، تلفت إلى أن الجهات الأوروبية بدأت بالفعل اتخاذ إجراءات احترازية، من بينها الدعوة إلى تقليل السفر غير الضروري، في محاولة لاحتواء الطلب على وقود الطائرات وتخفيف الضغط على الإمدادات.
وتؤكد هايتان أن التوقيت يزيد من حساسية الأزمة، خاصة مع اقتراب موسم الصيف، الذي يشهد ذروة النشاط السياحي في وجهات رئيسية مثل اليونان وإسبانيا وإيطاليا، ما يعني أن أي اضطراب في قطاع الطيران سيؤثر بشكل مباشر على القطاع السياحي.
كما تنبه إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة سيؤدي بدوره إلى زيادة تكاليف التشغيل في قطاع السياحة، بما يشمل أسعار الفنادق والخدمات، الأمر الذي قد يحد من شهية المسافرين ويؤثر على حجم الطلب السياحي خلال الفترة المقبلة.
وتختتم تصريحاتها بالتأكيد على أن "التأثيرات لن تقتصر على قطاع الطيران فقط، بل ستمتد إلى قطاعات اقتصادية أخرى، وعلى رأسها السياحة، ما يجعل من الضروري التحرك السريع لتفادي أزمة أوسع نطاقاً خلال الأشهر المقبلة".