تشهد أسواق الطاقة العالمية لحظة حساسة من إعادة التوازن، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط إلى مستويات لافتة.
في هذا السياق، ومع تعطل جزء من الإمدادات العالمية نتيجة التوترات المرتبطة بالحرب مع إيران والمخاوف من استمرار إغلاق مضيق هرمز، عادت قضية تدفقات النفط الروسي إلى واجهة النقاش داخل العواصم الغربية.
وقد أثار قرار واشنطن تخفيف بعض القيود المفروضة على النفط الروسي جدلاً واسعاً داخل المعسكر الغربي؛ إذ اعتبره البعض خطوة تكتيكية تهدف إلى تهدئة الأسواق ومنع حدوث صدمة في الإمدادات، بينما يرى آخرون أنه قد يمنح موسكو فرصة إضافية للاستفادة من ارتفاع أسعار الطاقة في وقت لا تزال فيه الحرب في أوكرانيا مستمرة.
تفتح هذه الخطوة الباب أمام تساؤلات أوسع حول توازن المصالح بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، وحول مدى قدرة الغرب على الحفاظ على جبهة موحدة في إدارة الحرب الاقتصادية ضد روسيا، في وقت تحاول فيه واشنطن احتواء تقلبات سوق النفط العالمية وتجنب انعكاساتها على الاقتصاد الدولي.
أحدث التطورات
- أعلن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، قبل نهاية الأسبوع الماضي، عن تخفيف العقوبات المفروضة على النفط الروسي مع ارتفاع أسعار النفط جراء الحرب مع إيران.
- بيسينت وصف ذلك الإجراء بأنه "ضيق النطاق وقصير الأجل".. وزعم أنه "لن يوفر فائدة مالية كبيرة للحكومة الروسية".
- ومع ذلك، قال لاحقاً لشبكة سكاي نيوز، إنه "أمر لا مفر منه" و"مؤسف" عندما سُئل عما إذا كانت موسكو ستستفيد من القرار.
- وبحسب شبكة "إن بي سي نيوز" فإنه بينما رحّب فريق الرئيس فلاديمير بوتين بالخطوة الرامية إلى تخفيف العقوبات فإنه ضغط يوم الجمعة على الولايات المتحدة لاتخاذ خطوات إضافية.
- الشبكة تشير إلى أن القرار أثاراستياءً في أوروبا، حيث خشي المسؤولون من أن يُعطي دفعةً قويةً لآلة الحرب الروسية على حدودهم، في ظل تحوّل الأنظار إلى الشرق الأوسط.
وأضاف بيسنت في بيان أن الرئيس دونالد ترامب "يتخذ خطوات حاسمة لتعزيز الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية ويعمل على إبقاء الأسعار منخفضة".
- يُنقل اليوم نحو 124 مليون برميل من النفط الروسي على متن السفن حول العالم.
- يمنع حصار مضيق هرمز دخول نحو 10 ملايين برميل إلى السوق الدولية يومياً.
موقف ترامب
يقول مدير مركز العمليات الجيوسياسية الدولية في موسكو، الدكتور عمرو الديب، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- الموقف الخاص بالرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن السماح المؤقت ببيع النفط والمنتجات النفطية الروسية المحمل بالسفن يرتبط بإعطاء مهلة زمنية محدودة لا تتجاوز شهراً واحداً.
- هذه المهلة ترتبط تحديداً بالكميات التي تم تحميلها بالفعل والمتواجدة حالياً في عرض البحر، أي الشحنات التي غادرت الموانئ بالفعل، ولا تشمل الكميات المخزنة في الموانئ أو الموجودة في الخزانات على اليابسة.
- الهدف من هذه الخطوة هو تجنب حدوث صدمة في أسواق الطاقة العالمية والحفاظ على مستويات سعرية معقولة للنفط والمنتجات النفطية، في ظل التقلبات التي يشهدها السوق العالمي.
- بعض الدول الأوروبية، خصوصاً في شرق أوروبا، تبدي مخاوف من مثل هذه الخطوة لأنها قد تمنح روسيا فرصة إضافية لتصريف نفطها وتحقيق أرباح أكبر، إلا أن قصر مدة السماح، التي لا تتجاوز ثلاثين يوماً، يقلل بشكل كبير من إمكانية استفادة موسكو بشكل واسع من هذه الخطوة.
ويؤكد أن روسيا تبيع بالفعل جزءاً كبيراً من نفطها بخصومات سعرية ملحوظة مقارنة بالأسعار العالمية، وهو ما يعني أن السماح بتصريف الشحنات الموجودة في البحر لن يمنح الاقتصاد الروسي دفعة كبيرة يمكن أن تؤثر بشكل ملموس في ميزان الصراع القائم بين الاتحاد الأوروبي وروسيا.
ما موقف أوروبا؟
وفي وقت لاحق من يوم الجمعة، وخلال زيارة إلى باريس، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن تخفيف العقوبات على روسيا "ليس القرار الصحيح" و"لا يساعد على السلام" لأنه "سيؤدي إلى تعزيز موقف روسيا".
- كانت الحكومة البريطانية من بين الجهات التي صرحت يوم الجمعة الماضي بأنها ستبقي على عقوباتها المفروضة على النفط الروسي، في حين تخشى عواقب قرار إدارة ترامب.
- خلال زيارة قامت بها إلى المملكة العربية السعودية، اتهمت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر طهران وموسكو بدعم بعضهما البعض و"محاولة اختطاف الاقتصاد العالمي".
- كما عبر قادة ألمانيا والنرويج، الذين ظهروا في مؤتمر صحافي مشترك، عن معارضتهم. كما فعل رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا في منشور على موقع إكس.
امتداد لأزمة قائمة
من جانبه، يقول الأستاذ بكلية موسكو العليا للاقتصاد،الدكتور رامي القليوبي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- إن ما يجري حالياً لا يمكن اعتباره أزمة جديدة بقدر ما هو امتداد لأزمة قائمة بالفعل، نتجت عن اختلافات في الرؤى والسياسات بين الولايات المتحدة وحلفائها.
- الرئيس الأميركي يتبنى منهجية واضحة تقوم على مبدأ "أميركا أولاً"، ليس كشعار سياسي فحسب، بل كإطار عملي يحكم سياسات واشنطن الداخلية والخارجية.
- هذه السياسة انعكست في تراجع الالتزام الأميركي تجاه أوروبا في ملفات أمنية عدة، وعلى رأسها دعم أوكرانيا، فضلاً عن إعطاء الأولوية للمصالح الاقتصادية الأميركية، خاصة فيما يتعلق بالحفاظ على توازن أسعار النفط والوقود داخل السوق الأميركية، حتى وإن جاء ذلك على حساب بعض المصالح الأوروبية.
ويشير إلى أنه بعد أكثر من عام على تبني الإدارة الأميركية لسياسات تميل إلى العزلة، لم يعد هذا التوجه مفاجئاً للأوروبيين، مؤكداً في الوقت ذاته أنه لا ينبغي المبالغة في تفسير القرار الأخير، إذ إن مدته شهر واحد فقط، كما أنه يقتصر على النفط الروسي الذي تم شحنه بالفعل على متن السفن.
ويختم القليوبي حديثه بالتأكيد على أن هذا التطور لا يمثل تحولاً استراتيجياً في السياسة الأميركية، سواء من حيث الابتعاد عن أوروبا أو التقارب مع روسيا، بل هو في الأساس استمرار للنهج السياسي الذي اتبعته الإدارة الأميركية خلال الفترة الماضية.
وبحسب تقرير لشبكة "إن بي سي نيوز"، فإن:
- رفع العقوبات الروسية ليس الإجراء المضاد الدراماتيكي الوحيد الذي حاولت الدول اتخاذه لمنع خطر حدوث صدمة اقتصادية عالمية.
- وافقت وكالة الطاقة الدولية، وهي مجموعة من كبار المنتجين، الأسبوع الماضي على إطلاق كمية تاريخية من النفط تبلغ 400 مليون برميل.
- إلا أن تلك الإجراءات لم تنجح في خفض الأسعار.
استفادة روسيا
يقول خبير الشؤون الأوروبية، محمد رجائي بركات، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- روسيا تُعد من أبرز الأطراف المستفيدة من الحرب الدائرة حالياً في إيران.
- هذه التطورات أدت إلى ارتفاع أسعار مصادر الطاقة، وعلى رأسها النفط والغاز، إضافة إلى المواد الأولية، وهو ما يصب في مصلحة موسكو اقتصادياً.
- ارتفاع الأسعار يمنح روسيا فرصة أكبر لتسويق النفط والغاز إلى دول كبرى مثل الصين والهند بأسعار مناسبة، ما يساعدها على تعويض جزء من الخسائر الاقتصادية التي تكبدتها نتيجة الحرب في أوكرانيا.
- قرار الرئيس الأميركي برفع بعض العقوبات مؤقتاً عن النفط والغاز الروسي قد يفتح الباب أمام تطورات جديدة في سوق الطاقة.
- هذه الخطوة قد تشجع بعض الدول الأوروبية على النظر في المقترح الذي طرحه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن استئناف بيع النفط والغاز الروسي إلى دول الاتحاد الأوروبي، وإن كان ذلك مرتبطاً بعدة شروط.
ويضيف أن دول الاتحاد الأوروبي تبدو حتى الآن من أكبر الخاسرين اقتصادياً من استمرار الحرب في أوكرانيا، في ظل استمرارها في تقديم الدعم العسكري والمالي لكييف.
بينما يؤكد بركات أن روسيا ليست المستفيد الوحيد من استمرار الصراعات، إذ إن الولايات المتحدة قد تحقق أيضاً مكاسب اقتصادية في حال استمرار الحرب، نظراً لازدياد الطلب على صناعاتها العسكرية، سواء من خلال بيع الأسلحة للدول المعنية مباشرة أو عبر صفقات التسليح التي تبرمها دول الاتحاد الأوروبي لإرسالها إلى أوكرانيا (فضلاً عن مكاسب شركات النفط).
تساؤلات في أوروبا
من جانبه، يرى الكاتب والمحلل الروسي ديمتري بريجع، أن موقف إدارة دونالد ترامب من روسيا، وخصوصاً ما يتعلق بتخفيف أو تعليق بعض القيود المفروضة على تجارة النفط الروسي، يثير تساؤلات متزايدة داخل العواصم الأوروبية بشأن مستقبل التماسك الغربي في إدارة الحرب في أوكرانيا.
ويشير لدى حديثه مع موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" إلى أن أوروبا بنت خلال السنوات الماضية استراتيجيتها الاقتصادية والأمنية على أساس ممارسة ضغوط مالية وطاقوية قوية على روسيا بهدف تقليص قدرتها على تمويل العمليات العسكرية. وبالتالي فإن أي إشارة أميركية إلى تخفيف هذه الضغوط تُفسَّر لدى عدد من الدول الأوروبية على أنها قد تقوّض أحد أهم أدوات الضغط الجماعي التي اعتمد عليها الغرب منذ بداية الحرب.
ويضيف أن هذا التطور قد يفتح الباب بالفعل أمام احتكاك سياسي جديد بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية، خصوصاً أن دول الاتحاد الأوروبي استثمرت موارد ضخمة لإعادة هيكلة سوق الطاقة منذ عام 2022 عبر تقليص الاعتماد على النفط والغاز الروسيين، وتحملت في المقابل تكاليف اقتصادية مرتفعة نتيجة لذلك. وإذا بدت الولايات المتحدة وكأنها تعيد فتح المجال أمام النفط الروسي لأسباب مرتبطة بخفض الأسعار العالمية أو بحسابات داخلية أميركية، فإن ذلك قد يخلق شعورًا أوروبياً بأن عبء الحرب لم يعد موزعًا بشكل متوازن بين ضفتي الأطلسي.
وفي المقابل، يوضح بريجع أنه لا يمكن فهم هذه الخطوة بمعزل عن منطق السياسة الأميركية التقليدي الذي يعطي أولوية لاستقرار أسواق الطاقة العالمية. فواشنطن تدرك أن أي ارتفاع حاد في أسعار النفط قد ينعكس سلبًا على الاقتصاد العالمي، كما قد يؤثر مباشرة في الداخل الأميركي. ومن هذا المنطلق قد يتم تقديم السماح بهامش أكبر لتدفق النفط الروسي إلى بعض الأسواق بوصفه إجراءً تكتيكيًا يهدف إلى ضبط توازن السوق، وليس تحولًا استراتيجيًا في الموقف من موسكو.