تواجه السياسة النقدية في الولايات المتحدة اختباراً جديداً مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وعودة أسعار الطاقة إلى الواجهة كمحرك رئيسي للتضخم، في وقت كان فيه الاقتصاد الأميركي يقترب تدريجياً من استعادة استقرار الأسعار بعد دورة طويلة من التشديد النقدي.
تثير الحرب الدائرة مع إيران مخاوف متزايدة لدى صناع القرار الاقتصادي من أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى تعطيل مسار تراجع التضخم، وهو ما قد يضع الاحتياطي الفيدرالي أمام خيارات أكثر تعقيداً في إدارة أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.
تسلّط هذه التطورات الضوء على معضلة قديمة تواجه البنوك المركزية عند حدوث صدمات في جانب العرض، إذ يصبح تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على وتيرة النمو الاقتصادي وسوق العمل مهمة أكثر صعوبة في ظل اضطرابات الطاقة العالمية.
في هذا السياق، يشير تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن:
- بنك الاحتياطي الفيدرالي كان يكافح بالفعل لإعادة التضخم إلى هدفه البالغ 2 بالمئة قبل أن يختار الرئيس ترامب المواجهة الشاملة مع إيران.
- الآن، إذا استمرت تكاليف الطاقة المرتفعة، فإنها تُهدد بتأخير هذا التقدم أكثر.
- هذا الأمر يُورِّط البنك المركزي في نقاش شائك آخر حول كيفية تعديل أسعار الفائدة في وقت يبدو فيه سوق العمل هشًا بشكل متزايد.
أوقف الاحتياطي الفيدرالي خفض أسعار الفائدة بعد سلسلة من التخفيضات أواخر العام الماضي، ومن المتوقع على نطاق واسع أن يُبقيها ثابتة مجدداً، ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 بالمئة، خلال اجتماع المسؤولين الأسبوع المقبل.
ويضيف التقرير: لا شك أن الأسئلة التي سيناقشونها تتمحور حول ما إذا كان ينبغي للاحتياطي الفيدرالي الاستمرار في هذه الاستراتيجية في ظل ارتفاع أسعار الطاقة، أو ما إذا كان ينبغي على المسؤولين البدء في دراسة كيفية الاستجابة لصدمة قد ترفع التضخم وتعيق النمو في آن واحد.
يتوقع المستثمرون الآن أن يؤجل الاحتياطي الفيدرالي استئناف خفض أسعار الفائدة لمدة اجتماع واحد على الأقل، ويتوقع معظمهم الآن أن يتم ذلك في سبتمبر بدلاً من يوليو، كما كان الحال قبل بدء النزاع.
وينقل التقرير عن الخبير الاقتصادي السابق في الاحتياطي الفيدرالي والذي يعمل الآن في بنك يو بي إس، آلان ديتمستر، قوله:
- "لطالما واجه الاحتياطي الفيدرالي مشكلة في كيفية الاستجابة لصدمة العرض. فمن جهة، تشير الجوانب التضخمية إلى ضرورة رفع أسعار الفائدة. ومن جهة أخرى، يشير انخفاض الإنتاج وارتفاع معدلات البطالة إلى ضرورة خفض أسعار الفائدة".
- في إشارة إلى أهداف الاحتياطي الفيدرالي المتمثلة في التضخم المنخفض والمستقر وسوق العمل الصحي "الأمر ليس واضحاً، وهذا يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى الانتظار والترقب لمعرفة أي جزء من ولايته المزدوجة يعتقد أنه يحتاج إلى أكبر قدر من المساعدة".
انعكاسات مباشرة
يقول المدير التنفيذي لشركة VI Markets،الدكتور أحمد معطي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- ارتفاع أسعار النفط ينعكس بشكل مباشر على قرارات السياسة النقدية في الولايات المتحدة، نظراً لتأثيره الواسع على مستويات الأسعار والإنفاق الاستهلاكي.
- صعود النفط يؤدي إلى زيادة أسعار مختلف السلع والمنتجات، وهو ما ينعكس بدوره على معدلات التضخم.
- ارتفاع أسعار النفط يضغط كذلك على إنفاق المستهلك الأميركي، وهو ما يظهر بوضوح في مؤشرات مثل مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، الذي يعد من المؤشرات الرئيسية التي يراقبها الاحتياطي الفيدرالي.
- وصول سعر برميل النفط إلى نحو 100 دولار قد يدفع التضخم في الولايات المتحدة للارتفاع مجدداً نحو مستوى 4 بالمئة.
كما يلفت إلى أن ارتفاع النفط يؤدي أيضاً إلى زيادة أسعار البنزين للمواطن الأميركي.
ويشير إلى أن هذا الوضع يضع الاحتياطي الفيدرالي أمام معضلة حقيقية، خاصة بعدما كانت الأسواق تتوقع اتجاهاً نحو خفض أسعار الفائدة. لكنه يؤكد أن استمرار أسعار النفط فوق مستوى 90 دولاراً للبرميل، وعدم عودتها إلى ما دون 70 دولاراً، سيجعل من الصعب على الفيدرالي تبرير خفض الفائدة.
ويوضح أنه طالما بقي النفط أعلى من 70 دولاراً للبرميل، فمن المرجح أن يتجه الفيدرالي إلى تثبيت أسعار الفائدة بدلاً من خفضها، مشيراً إلى أنه في حال تفاقمت الأزمة وارتفعت أسعار النفط إلى ما فوق 120 دولاراً للبرميل واستمرت عند هذه المستويات لشهرين أو ثلاثة، فلا يمكن استبعاد عودة الحديث عن رفع أسعار الفائدة مجدداً.
ويختم معطي حديثه بالتأكيد على أن استمرار ارتفاع أسعار النفط سيبقي الاحتياطي الفيدرالي أمام معادلة صعبة بين السيطرة على التضخم ودعم النمو الاقتصادي.
تقويض التقدم
وارتفعت أسعار المستهلكين بنسبة 2.4 بالمئة مقارنة بالعام السابق، وفقاً لبيانات حكومية جديدة صدرت يوم الأربعاء، وهو رقم يشير إلى أن التضخم كان يتراجع تدريجيًا نحو هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 بالمئة.
لكن الآن، يهدد ارتفاع أسعار النفط المرتبط بالحرب في إيران بتقويض هذا التقدم، وقد يُبقي البنك المركزي في حالة جمود فيما يتعلق بأسعار الفائدة، بحسب تقرير "إن بي سي نيوز".
كتب كبير الاقتصاديين في شركة RSM، جو بروسويلاس: "بسبب الأحداث في الخليج العربي، يمكن لصناع السياسات والجمهور تجاهل مؤشر أسعار المستهلك الأميركي لشهر فبراير".
وتوقع أن يرتفع معدل التضخم الرئيسي إلى حوالي 3 بالمئة في مارس، وإلى 3.5 بالمئة أو أكثر في أبريل، مع بدء ظهور ارتفاع أسعار الطاقة في البيانات.
صدمة أسعار النفط
يقول كبير محللي الأسواق المالية في شركة FXPro، ميشال صليبي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- صدمة أسعار النفط الأخيرة أصبحت عاملاً أكثر حساسية في معادلة السياسة النقدية الأميركية، نظراً لتأثيرها المباشر والسريع على التضخم وتوقعات الأسواق ومسار النمو الاقتصادي.
- الارتفاع الحالي في أسعار النفط جاء نتيجة التوترات الجيوسياسية المتصاعدة ومخاطر اضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز، وهو ما أعاد الأسواق إلى مرحلة من القلق بشأن استقرار سلاسل الطاقة العالمية.
- مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يجد نفسه أمام معادلة أكثر تعقيداً قبل قراره المرتقب بشأن أسعار الفائدة.
- من غير المتوقع خفض الفائدة في الاجتماع القادم، في ظل الضغوط التضخمية المتزايدة الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة.
ويضيف أن تأثير ارتفاع النفط على التضخم يظهر سريعاً من خلال زيادة تكاليف الطاقة والنقل والإنتاج، وهو ما ينعكس مباشرة على مؤشرات الأسعار ويعزز الضغوط التضخمية داخل الاقتصاد الأميركي.
ويبيّن أن عودة أسعار خام خام برنت إلى مستويات تقترب من 100 دولار للبرميل قد تدفع معدلات التضخم مجدداً بعيداً عن الهدف الذي حدده الاحتياطي الفيدرالي عند 2 بالمئة، الأمر الذي قد يجبر البنك المركزي على التريث في خفض الفائدة أو الإبقاء على السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول.
ويلفت إلى أن صدمات النفط غالباً ما تؤدي إلى ما يُعرف بتضخم التكاليف، حيث ترتفع أسعار السلع والخدمات نتيجة زيادة تكاليف الإنتاج وليس بسبب قوة الطلب، ما يجعل معالجته أكثر تعقيداً، إذ إن رفع أسعار الفائدة لا يؤدي مباشرة إلى خفض أسعار النفط بل يضغط في المقابل على وتيرة النمو الاقتصادي.
ويشير صليبي إلى أن ارتفاع النفط يخلق تأثيراً مزدوجاً على الاقتصاد، فهو من جهة يدفع التضخم إلى الارتفاع، ومن جهة أخرى يضغط على النشاط الاقتصادي من خلال تقليص إنفاق المستهلكين وزيادة أعباء التكاليف على الشركات.
ويؤكد أن صناع القرار في الاحتياطي الفيدرالي يراقبون عدة عوامل لتقييم تأثير صدمة النفط، من بينها مدى انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى التضخم الأساسي، وتأثير الأسعار المرتفعة على توقعات التضخم لدى المستهلكين، إضافة إلى انعكاسات ارتفاع النفط على النمو الاقتصادي وسوق العمل.