تُعيد سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الواجهة سؤالًا بالغ الحساسية حول مستقبل النظام المالي العالمي، في وقت تتشابك فيه القرارات الاقتصادية مع الحسابات الجيوسياسية، وتتزايد فيه مؤشرات التحول من تنافس تجاري تقليدي إلى صراع أعمق على حركة وتوطين رأس المال.

تُحذّر أصوات بارزة في عالم الاستثمار من أن التصعيد في الخطاب الحمائي واستخدام الأدوات المالية كسلاح سياسي قد يفتح الباب أمام ما يُعرف بـ "حروب رأس المال"، حيث لم تعد الأسواق تتحرك وفق منطق الكفاءة الاقتصادية وحده، بل باتت خاضعة لاعتبارات النفوذ والثقة والمخاطر السيادية.

تُبرز هذه التطورات مشهدًا عالميًا أكثر تعقيدًا، تتآكل فيه الثقة بالأصول الآمنة التقليدية، وتُعاد فيه رسم خرائط التدفقات المالية، وسط بحث محموم من المستثمرين والدول على حد سواء عن ملاذات تحمي الثروة في عالم يتجه نحو قدر أكبر من عدم اليقين.

أخبار ذات صلة

هل الاقتصاد الأميركي مزدهراً كما يعتقد ترامب؟
هل خسرت الولايات المتحدة الحرب التجارية أمام الصين؟

في هذا السياق، يشير تقرير لـ "بيزنس إنسايدر" إلى تحليل الملياردير راي داليو، الذي يرى أن سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنطوي على مخاطر قد تقود إلى اندلاع ما وصفه بـ "حروب رأس المال".

يرى داليو أن العالم قد يكون مقبلاً على مرحلة من الصراعات المالية العالمية، محذراً من أن نهج ترامب قد يفضي إلى حروب تتعلق بتدفقات رأس المال.

ويضيف: "إذا أخذت الصراعات في الحسبان، لا يمكنك تجاهل احتمال نشوب حروب رأس المال.. بمعنى آخر، قد لا تبقى الرغبة نفسها في شراء الدين الأميركي وما شابه ذلك".

المستثمر الملياردير ومؤسس شركة "بريدجووتر أسوشييتس" لا يتردد في إطلاق التحذيرات بشأن المشكلات الاقتصادية التي يرى أنها تتشكل في الأفق. وخلال المنتدى الاقتصادي العالمي الأسبوع الماضي في دافوس بسويسرا، قال إن سياسات ترامب التصعيدية قد تشعل صراعاً مالياً عالمياً.

وبرأيه، فإن الصراعات التجارية - مثل تلك الدائرة بين الولايات المتحدة ومعظم دول العالم- لا تعالج فعلياً الاختلالات العالمية، لكنها تفرض ضغوطاً حادة على تدفقات رأس المال، في وقت تحاول فيه الدول تحديد من يمول العجوزات، وأي الدول مستعدة للاحتفاظ بأصول معينة. وعلى وجه الخصوص، فإن تآكل الثقة في الولايات المتحدة قد يجعل المستثمرين العالميين أقل ميلاً لإقراضها عبر شراء سندات الخزانة الأميركية.

أخبار ذات صلة

كيف أعادت سياسات ترامب رسم خريطة المخاطر الاقتصادية؟
دافوس 2026.. الاقتصاد والسياسة في عالم "عدم اليقين"

عودة الخطاب الحمائي

من جانبه، يقول رئيس قسم الأسواق المالية في شركة FXPro، ميشال صليبي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":

  • عودة الخطاب الحمائي والتجاري القاسي إلى الواجهة أعادت إلى الأذهان الأسبوع الماضي تساؤلات واسعة حول ما إذا كان العالم يواجه ما يُعرف بـ "حرب رؤوس الأموال".
  • هذه الحرب لا تقتصر على النزاعات التجارية التقليدية فحسب.
  • مفهوم حرب رؤوس الأموال يتجاوز الرسوم الجمركية، إذ يركّز بشكل أساسي على توجيه حركة الأموال عالميًا، من خلال فرض قيود على الاستثمارات الأجنبية، والضغط على مسارات أسعار الفائدة، وتقديم حوافز لإعادة الأموال إلى الداخل، فضلًا عن تسييس سلاسل التمويل والتكنولوجيا في هذه المرحلة الحساسة.
  • رفع الرسوم الجمركية لا يضغط فقط على حركة التجارة، بل يدفع المستثمرين أيضًا إلى إعادة تسعير المخاطر والخروج من بعض الأسواق.

ويضيف أن استخدام الدولار كسلاح سياسي عبر العقوبات والضغوط المالية يسرّع محاولات فك الارتباط عن العملة الأميركية، وهو ما يعيد رسم خريطة التدفقات المالية العالمية، كما ظهر مؤخرًا في زيادة الإقبال على المعادن، وعلى رأسها الذهب.

ويتابع صليبي أن ما تُعرف بسياسات "إعادة توطين الاستثمارات" تلعب دورًا مهمًا في المرحلة الحالية، إذ إن الحوافز الضريبية والتنظيمية تسهم في جذب رؤوس الأموال إلى الولايات المتحدة على حساب الاقتصادات الناشئة.

أخبار ذات صلة

ارتفاع طفيف لمؤشر التضخم المفضل لدى الفيدرالي في نوفمبر
صدمة الرسوم تعصف بوول ستريت والأسواق تترقب التهدئة

ويؤكد أن هذا التوجه قد يحمل جانبًا إيجابيًا على المدى القصير، إلا أن حالة عدم اليقين السياسي، لا سيما في الولايات المتحدة، وتقلب القرارات على صعيدي السياسة الداخلية والخارجية، تؤدي إلى ارتفاع علاوة المخاطر، ما ينعكس سلبًا عبر تسريع هروب الأموال من الأصول عالية المخاطر.

ويختتم صليبي حديثه بالقول:

  • الرابحون المحتملون في المدى القصير قد يكونون الدولار الأميركي والذهب بطبيعته كملاذ آمن، إلى جانب الأصول والقطاعات الدفاعية وبعض القطاعات المحلية الأميركية.
  • في حين يُرجّح أن تشمل قائمة الخاسرين العملات والأسهم في الاقتصادات الناشئة، إضافة إلى كل ما يرتبط بسلاسل التوريد العالمية، التي قد تشهد تقلبات حادة وتؤثر سلبًا على الاستثمارات طويلة الأجل.

ملاذ آمن

ويظل الذهب ملاذ آمن بارز في ظل تلك السيناريوهات. ويرى راي داليو أن الذهب يظل أحد أكثر الأصول قدرة على الصمود في مواجهة الاضطرابات المالية، خصوصاً في ظل تصاعد مخاطر "حروب رأس المال" وتراجع الثقة في العملات الرئيسية. فالتاريخ يؤكد أن الذهب يحتفظ بدوره كمخزن للقيمة عندما تتآكل الثقة في الأنظمة النقدية، ما يجعله أداة تحوط أساسية في أوقات التوتر وعدم اليقين.

ومن هذا المنطلق، يدافع داليو في التصريحات التي نقلتها عنه شبكة "سي إن بي سي" الأميركية، عن ضرورة منح الذهب وزناً ملموساً داخل المحافظ الاستثمارية، حتى في الظروف الاقتصادية الطبيعية، مشيراً إلى أن تخصيص ما بين 5 و15 بالمئة من الأصول لهذا المعدن يوفّر توازناً مهماً في مواجهة تقلبات الأسواق واضطراب تدفقات رؤوس الأموال.

هذا التوزيع لا يستهدف تحقيق مكاسب سريعة بقدر ما يهدف إلى حماية الثروة على المدى الطويل.

وفي هذا السياق، العودة إلى الأصول الحقيقية، وفي مقدمتها الذهب، قد تمثل خياراً عقلانياً في عالم يتجه نحو قدر أكبر من عدم الاستقرار المالي. ويُنظر إلى تنامي الحديث عن حروب رأس المال، إلى جانب المخاطر المرتبطة بتضخم الديون وتآكل قيمة العملات، بأنه يعزز من جاذبية الذهب كأصل احتياطي استراتيجي، سواء للمستثمرين الأفراد أو للدول.

مشهد معقد

بدوره، يقول خبير أسواق المال، محمد سعيد، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":

  • المشهد أبعد بكثير من مجرد مناوشات تجارية تقليدية.
  • لقد تجاوزت السياسات الاقتصادية الحالية مرحلة فرض الرسوم الجمركية على البضائع، لتدخل في طور أكثر خطورة يمكن وصفه بـ "حرب رؤوس الأموال"، وهي صراع شرس على توجيه وتوطين وتسييس تدفقات المال والاستثمار عالميًا.
  • رأس المال لم يعد كيانًا محايدًا كما كان في السابق، بل تحوّل إلى أداة جيوسياسية تُستخدم للضغط وإعادة تشكيل موازين النفوذ، في ظل مشهد عالمي يشير بوضوح إلى تحوّل جذري في بنية النظام الاقتصادي الدولي، من عولمة مالية مفتوحة إلى نظام كتل اقتصادية متنافسة.

أخبار ذات صلة

العام الأول لترامب.. قادة التكنولوجيا يسجلون مكاسب قياسية
جنون الذهب: الفوضى السياسية تمهد الطريق نحو 5000 دولار

ويشير سعيد إلى أن الولايات المتحدة، تحت شعار "أميركا أولًا"، تسعى إلى سحب الاستثمارات نحو الداخل، وإجبار الشركات على إعادة توطين سلاسل الإمداد ومراكز الإنتاج داخل الأراضي الأميركية أو في دول تُصنَّف سياسيًا كحلفاء، وهو ما يخلق حالة عالية من عدم اليقين في الأسواق، مضيفاً أن المستثمر بطبيعته يكره المفاجآت، ورأس المال "جبان" يبحث دائمًا عن الملاذ الأكثر أمانًا واستقرارًا، بعيدًا عن القرارات السياسية المتقلبة.

ويؤكد أن:

  • الأثر المباشر لهذه السياسات ظهر بوضوح في ردة فعل الأسواق العالمية، حيث شهدت صناديق الأسهم الأميركية موجات خروج للسيولة، قابلها توجه متزايد نحو أسواق بديلة في أوروبا واليابان، بالتزامن مع ارتفاع الطلب على الذهب والفضة كملاذات آمنة.
  • هذا السلوك يعكس تآكلًا تدريجيًا في الثقة بالأصول الأميركية، التي لطالما اعتُبرت تاريخيًا الأكثر أمانًا على مستوى العالم.

ويتابع أن استخدام الدولار ونظام المدفوعات العالمي كسلاح في العقوبات دفع العديد من الدول والصناديق السيادية إلى إعادة تقييم حجم انكشافها على الدين الأميركي، والبدء في تنويع احتياطياتها تحسبًا لأي سيناريوهات مستقبلية تتعلق بالتجميد أو التقييد.

ويلفت سعيد إلى مفارقة واضحة بين الأهداف والنتائج، إذ تهدف التخفيضات الضريبية وتخفيف القيود التنظيمية إلى جذب رؤوس الأموال، في حين تعمل الحروب التجارية والتلويح المستمر بالرسوم الجمركية كعامل طارد للاستثمار طويل الأجل؛ فالشركات الكبرى، بحسب قوله، تجد صعوبة في ضخ استثمارات ضخمة في مصانع قد تفقد جدواها الاقتصادية بقرار سياسي مفاجئ، ما يرفع علاوة المخاطر ويُضعف صورة الاقتصاد الأميركي كشريك موثوق.

وعلى الجانب الآخر، يشير إلى أن هذا الصراع لا يُدار من طرف واحد، حيث بدأت كتل اقتصادية منافسة، وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي، في تجهيز أدوات دفاعية قد تصل إلى تقييد الاستثمارات الأميركية أو حتى التخارج الجزئي من سوق السندات، وهو ما يمثل تصعيدًا خطيرًا يهدد استقرار النظام المالي العالمي.

ويختتم سعيد حديثه بالقول:

  • الأسواق الناشئة تدفع الثمن الأكبر، إذ تتعرض لسحب السيولة لصالح الاقتصادات الكبرى، ما يضع عملاتها وتصنيفاتها الائتمانية تحت ضغوط شديدة تهدد استقرارها المالي.
  • في المحصلة، نعيش فصول حرب باردة مالية تعتمد على استراتيجية ليّ الذراع الاقتصادي، قد تحقق مكاسب تكتيكية قصيرة الأجل، لكنها تحمل تكاليف باهظة على المدى الطويل، تتمثل في تضخم هيكلي، وتراجع الكفاءة الإنتاجية، وتفتيت النظام المالي العالمي، في عالم يتجه بسرعة نحو إعادة رسم خريطة نفوذ جديدة يكون فيها المال السلاح والدرع في آن واحد.
ترامب يعلن الحرب على أوروبا.. وبروكسل تهدد