يتباهى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بازدهار الاقتصاد، مقدّمًا أرقام النمو القياسية كدليل على نجاح سياساته، ومؤكدًا أمام نخبة العالم في دافوس أن الولايات المتحدة تعيش واحدة من أكثر مراحلها الاقتصادية سخونة وقوة في التاريخ الحديث.

لكن خلف هذا الخطاب المتفائل، تأتي روايات متباينة حول حقيقة ما يجري داخل أكبر اقتصاد في العالم، بين بيانات رسمية تعكس تسارعًا لافتًا في النمو، وتحذيرات من اختلالات كامنة تتعلق بالتضخم، وأسعار الفائدة، واضطراب السياسات التجارية والنقدية.

أخبار ذات صلة

كيف أعادت سياسات ترامب رسم خريطة المخاطر الاقتصادية؟
العام الأول لترامب.. قادة التكنولوجيا يسجلون مكاسب قياسية

وتطرح هذه المفارقة سؤالًا جوهريًا: هل يعكس الأداء الاقتصادي الأميركي ازدهارًا مستدامًا كما يروّج ترامب، أم أنه نمو هش تحكمه عوامل ظرفية ومخاطر سياسية قد تنقلب على الأسواق في أي لحظة؟

يشير تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية إلى تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب في دافوس، لا سيما ادعائه الفضل في الأداء الاقتصادي الأميركي المذهل.

قال ترامب أمام نخبة العالم السياسية والمالية: "النمو يتسارع، والإنتاجية ترتفع، والاستثمارات تتزايد، والدخول ترتفع، وقد تم القضاء على التضخم.. نحن الدولة الأكثر سخونة في العالم".

يضيف التقرير: "بغض النظر عن المبالغات الرئاسية، فإن أهم اقتصاد في العالم ينطلق بقوة نحو عام 2026 بمستويات نمو تتجاوز بكثير توقعات معظم الاقتصاديين عندما عاد ترامب إلى منصبه قبل عام".

أظهرت الإحصاءات الرسمية الصادرة الأسبوع الماضي نموًا سنويًا في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.4 بالمئة في الربع الثالث من عام 2025.

ويتوقع بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا ارتفاعًا في النمو ليصل إلى 5.4 بالمئة في الربع الأخير من عام 2025. وباستثناء التعافي من جائحة كوفيد-19، سيمثل ذلك أقوى توسع اقتصادي منذ أكثر من عقد.

يأتي هذا الأداء القوي على الرغم من سلسلة الصدمات الاقتصادية التي شهدها الاقتصاد منذ عودة ترامب إلى السلطة، والتي كان معظمها من صنعه -وفق التقرير- فقد اقترنت حروب الرئيس التجارية، التي اتسمت بفترات من التصعيد والتراجع، بمواجهة حادة مع مجلس الاحتياطي الفيدرالي هزت أركان السوق.

إلى جانب ذلك، شهدنا إغلاقاً حكومياً مطولاً غير مسبوق، وخلافات علنية مع حلفاء مقربين بلغت ذروتها في المواجهة بشأن غرينلاند. وقد اهتزت الثقة في الأصول المقومة بالدولار، مما دفع كبار المستثمرين مثل بيمكو إلى تنويع استثماراتهم في أسواق أخرى.

يزيد خطر قيام ترامب بخطوة مفاجئة أخرى تُلحق الضرر بالاقتصاد من المخاوف بشأن انتعاش التضخم ، وما إذا كان ازدهار الذكاء الاصطناعي الذي يدعم النمو الأميركي مستدامًا. ولكن في الوقت الراهن، الزخم الاقتصادي قوي.

ونقل التقرير عن رئيس معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، آدم بوسن، قوله: "أي شخص يقول إننا لا نشهد ازدهاراً في جزء كبير من الاقتصاد فهو مخطئ.. ففي الوقت الحالي، تمتلك الولايات المتحدة، في المجمل، الكثير من المقومات التي تصب في مصلحتها على الرغم من العديد من الأخطاء التي ارتكبتها بنفسها".

أخبار ذات صلة

دافوس في زمن ترامب.. الاقتصاد بلغة مختلفة
هل يخفض "مقترح ترامب" مكافآت بطاقات الدفع؟

تصريحات غير واقعية

يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Marketsجو يرق، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":

  • تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال مشاركته في منتدى دافوس حول ازدهار الاقتصاد الأميركي لا تتطابق بالكامل مع الواقع الاقتصادي.
  • الأرقام التي رصدها تتجاهل أثر أسعار الفائدة المرتفعة.
  • النمو الحقيقي للاقتصاد الأميركي، في حال استبعاد تأثير الفوائد، يدور حول 2 بالمئة.

ويؤكد أن ذلك لا يعني غياب النمو عن الاقتصاد الأميركي، لافتًا إلى أن الربع الثالث سجل نموًا قويًا بلغ 4.4 بالمئة، إلا أن التضخم لا يزال عند مستويات مرتفعة نسبيًا قرب 2.7 بالمئة، ما يعكس استمرار الضغوط التضخمية، خصوصًا في ظل السياسات الحمائية وفرض الرسوم الجمركية.

ويضيف أن حالة التخبط في السياسات التي ينتهجها الرئيس ترامب قد تقود في المراحل اللاحقة إلى ضغوط انكماشية على النمو الاقتصادي الأميركي، رغم أن الولايات المتحدة لا تزال من بين الاقتصادات المتقدمة الأعلى نموًا على مستوى العالم.

ويتابع يرق أن الضغوط السياسية على السياسة النقدية قد تلعب دورًا حاسمًا خلال الفترة المقبلة، موضحًا أنه في حال عادت معدلات التضخم إلى الارتفاع، سيضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى تشديد السياسة النقدية ورفع أسعار الفائدة مجددًا. أما في حال تم تعيين محافظ جديد للاحتياطي الفيدرالي يكون مؤيدًا لسياسات خفض الفائدة، فقد يشكل ذلك عامل دعم مباشر للنمو الاقتصادي.

ويشير إلى أن أداء الشركات الأميركية لا يزال مدعومًا بشكل أساسي من قطاع الذكاء الاصطناعي وقطاع التكنولوجيا، اللذين يشكلان المحرك الرئيسي للاقتصاد الأميركي في المرحلة الحالية، محذرًا من أن أي ضغوط أو تراجع في هذه القطاعات قد ينعكس سلبًا على مجمل الاقتصاد.

ويختم جو يرق بالتأكيد على أن أي تباطؤ في قطاعات أخرى قد يتم تعويضه جزئيًا، في ظل ما تحمله سياسات ترامب من آثار إيجابية على الشركات الأميركية، إضافة إلى أن ضعف الدولار الأميركي قد يشكل عنصر دعم إضافي لنمو الشركات المعتمدة على التصدير، وبالتالي للاقتصاد الأميركي ككل.

أخبار ذات صلة

نفط فنزويلا.. عقبات تعترض طموحات ترامب
عام على ولاية ترامب الثانية.. "أنا.. وأميركا أولا"

تخبط

ووفق تقرير لـ "الإيكونوميست"، فإنه:

  • في ولايته الثانية، لم يكتفِ دونالد ترامب بإلغاء قواعد التجارة فحسب، بل مزّق أيضاً آليات القياس الاقتصادي؛ فبعد انتقاده اللاذع لضعف أرقام التوظيف، أقال رئيس مكتب إحصاءات العمل في أغسطس، مما أثار اضطراباً في الأسواق.
  • أدى إغلاق حكومي استمر شهراً كاملاً إلى توقف جميع إصدارات البيانات الرسمية تقريباً، تاركاً صانعي السياسات في حالة من التخبط، كما وصفها جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
  • لا يزال الاقتصاد الأميركي يشهد نموًا، إذ ارتفع الناتج بقوة في الربع الثالث مدفوعًا بالإنفاق الاستهلاكي والحكومي.
  • تشير مؤشرات أخرى إلى تزايد الضغوط. فالتضخم، الذي كان يتجه نحو هدف الاحتياطي الفيدرالي، يعاود الارتفاع مع قيام الشركات بتحميل المستهلكين تكاليف الرسوم الجمركية. في الوقت نفسه، تراجعت ثقة المستهلكين بشكل حاد، ويشهد سوق العمل تباطؤًا.

مرحلة إيجابية

على الجانب الآخر، تقول خبيرة أسواق المال، حنان رمسيس، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" إن رؤيتها للاقتصاد الأميركي خلال الفترة الحالية "إيجابية ومزدهرة"، معتبرة أن:

  • السياسات التي ينتهجها الرئيس الأميركي دونالد ترامب أسهمت بشكل كبير في الترويج للاقتصاد الأميركي وجذب استثمارات جديدة إلى الولايات المتحدة.
  • فرض الرسوم الجمركية كان يُنظر إليه في البداية على أنه إجراء قد يحمل آثارًا سلبية على الاقتصاد الأميركي، إلا أن الواقع أثبت -بحسب تعبيرها- عكس ذلك، حيث نجحت هذه السياسات في تحقيق عوائد مالية ضخمة بمليارات وتريليونات الدولارات، استُخدمت في خفض سقف الدين العام ودعم الاقتصاد الأميركي وتعزيز النفوذ الأميركي عالميًا.
  • ترامب يسير بخطى واضحة نحو ما يُعرف بـ "الحلم الأميركي"، الذي طالما تحدث عنه رؤساء الولايات المتحدة، والمتمثل في تحقيق ازدهار اقتصادي ينعكس بشكل مباشر على مستوى معيشة المواطن الأميركي.
  • هذه السياسات - بغض النظر عن الجدل حول أبعادها الاستعمارية - أسهمت في ترسيخ مكانة الولايات المتحدة كأقوى دولة في العالم.

وتتابع: "الولايات المتحدة عملت خلال الفترات الأخيرة على إعادة تشكيل المشهد الدولي، سواء من خلال الانسحاب أو تقليص الدور داخل بعض المنظمات الدولية، أو عبر إنشاء أطر وتحالفات بديلة تقودها بنفسها"، مشيرة إلى أن ذلك يعكس ثقة واشنطن في قدرتها على قيادة النظام العالمي الجديد.

وتضيف أن تحركات مؤشرات الأسهم الأميركية، وعلى رأسها مؤشر داو جونز، تعكس حالة الازدهار التي يعيشها الاقتصاد الأميركي (..). كما تشير إلى أن الولايات المتحدة تمتلك أدوات ضغط وتأثير اقتصادية متعددة، من بينها احتياطيات الطاقة والبيتكوين، فضلًا عن النفوذ المتزايد في ملفات استراتيجية، ما يمنحها قدرة أكبر على التحكم في المشهد الاقتصادي العالمي.

وتختتم رمسيس تصريحها بالتأكيد على أن التفوق الأميركي في مجال الذكاء الاصطناعي وشركاته العملاقة يمثل عنصر قوة حاسم، موضحة أن الدول التي تمتلك زمام هذه التكنولوجيا ستكون الأقدر على الصمود أمام التحولات السياسية والاقتصادية المقبلة، معتبرة أن الولايات المتحدة في موقع متقدم يؤهلها لمواصلة الازدهار الاقتصادي خلال الفترة الحالية.

ترامب يعلن الحرب على أوروبا.. وبروكسل تهدد