أعاد التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، رسم سياسات التوظيف داخل الشركات الكبيرة، مع اتجاه واضح نحو تشديد قرارات استقطاب كفاءات جديدة. ففي عالم الأعمال الجديد، لم يعد الحصول على وظيفة يتوقف على مؤهلات الأفراد فحسب، بل على قدرتهم في إثبات أن المهمة التي سيؤدونها "مستعصية" على الآلة.

ورغم أن أتمتة كافة المهام لا تزال أمراً بعيد المنال، على الأقل في الوقت الراهن، إلا أن كل وظيفة شاغرة جديدة باتت تُمثل فرصة سانحة للشركات لاختبار حدود الذكاء الاصطناعي بدلاً من العنصر البشري، فالعديد من المؤسسات تعتبر أن الموظف البشري هو الخيار الأغلى تكلفة، وهي لذلك تطلب من المتقدمين للوظيفة، إثبات أن المهام التي سيقومون بها لا يمكن للذكاء الاصطناعي إنجازها بكفاءة مماثلة.

أخبار ذات صلة

كيف يتأثر الاقتصاد الأميركي حال تعثرت طفرة الـ AI؟
الذكاء الاصطناعي ينتصر والوظائف تتراجع.. ما الأسباب؟

وتبرز آثار هذا النهج بشكل أشد قسوة على الوظائف المبتدئة، إذ تتجه الشركات لتقليص الموافقات المطلوبة لتوظيف موظفين جدد في المستويات الدنيا، في حين يخضع كل قرار توظيف جديد لتدقيق صارم.

إثبات الحاجة للعنصر البشري

وبحسب تقرير أعدته "بلومبرغ"، واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فإن التوظيف في عصر الذكاء الاصطناعي، يعني إثبات الحاجة إلى العنصر البشري، حيث أنه مع التسارع الكبير في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي، تُمعن إدارات الشركات النظر، في أي وظيفة يُمكن إسنادها إلى برامج مثل ChatGPT، بما في ذلك الوظائف المبتدئة، في حين أنه عندما تُقدم الشركات على التوظيف، يكون ذلك مصحوباً بمزيد من التعقيدات وقلة الموافقات.

أما بالنسبة للموظفين، ولاسيما خريجي الجامعات الجدد، فإن تداعيات هذا النهج الجديد ستكون وخيمة، إذ فقدت الولايات المتحدة ما يقرب من1.2 مليون وظيفة حتى نوفمبر 2025، وفقاً لشركة التوظيف الخارجي "تشالنجر، غراي آند كريسمس". ويعتبر هذا العدد من الأعلى منذ العام 2020، حيث كان الذكاء الاصطناعي من أبرز العوامل التي تم توجيه أصابع الاتهام إليها، كسبب لتقليص الوظائف العام الماضي، وأكثر من عدد الوظائف التي فُقدت بسبب الإفلاس.

ويشير بعض مديري الشركات، المتضررة من التسريحات، إلى أن التدقيق في قرارات التوظيف يُعد خطوة حذرة، إذ أن اليقظة الآن تتيح تجنب تسريح الموظفين مستقبلاً.

أخبار ذات صلة

بسبب الذكاء الاصطناعي.. هذه الوظائف ستختفي بحلول 2050
كيف يعيد الذكاء الاصطناعي ترتيب أوراق الاقتصاد الأميركي؟

تجميد التوظيف

في المقابل قررت بعض الشركات اتباع استراتيجية مختلفة، تقوم على التوقف مؤقتاً عن التوظيف ومنح نفسها مزيداً من الوقت، لترى ما الذي سيحدث في السوق، وذلك بسبب الطبيعة سريعة التغير لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التي تجعل التخطيط طويل المدى أمراً صعباً. وبحسب كاتي جورج، نائبة الرئيس التنفيذي لتحويل القوى العاملة في شركة مايكروسوفت، فإنه من الصعب جداً التنبؤ بدقة بالأدوار التي ستكون موجودة بعد عام من الآن، مشيرة إلى أن التخطيط للقوى العاملة أمرٌ يزداد صعوبة.

من جهتها ترى كاثي وود، مؤسسة شركة آرك لإدارة الاستثمار، أنّ التوجه الجديد لدى الشركات، هو بمثابة تبني لـ "فلسفة إيلون ماسك" في التوظيف، والقائمة على ضرورة تقديم مبررات قوية قبل اتخاذ قرار توظيف أي شخص جديد داخل الشركة.

وفي هذا الإطار، فرضت منصة التجارة الإلكترونية Shopify Inc منذ عدة أشهر، على أي مدير يرغب في فتح باب التوظيف، أن يوضح سبب تعذر إنجاز المهام المنشودة بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي.

وبحسب تقرير "بلومبرغ"، فإن الحد من عمليات التوظيف الجديدة لا يقتصر على التحكم في التكاليف، إذ ترى الشركات أن الحد من استقطاب كفاءات جديدة، يُجبر الموظفين الحاليين على الإبداع من خلال استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بطرق جديدة، واستكشاف أساليب مبتكرة لتعزيز إنتاجيتهم.

أخبار ذات صلة

كيف يمكنك التعامل مع تغيرات سوق العمل العالمية؟
كي لا يتم رفضكم.. احذروا الـAI في كتابة السير الذاتية

فرص جديدة

ومع ذلك، لا تفرض كافة الشركات حظراً شاملاً على عمليات التوظيف الجديدة، ولا تزال العديد منها تقوم بتعيين موظفين لشغل وظائف تعتبر ضرورية للنمو، مثل الهندسة والمبيعات. علماً أن تقنية الذكاء الاصطناعي ساهمت أيضاً في خلق طلب على أدوار بشرية لم تكن موجودة من قبل، مما يجعل الشركات بحاجة إلى توظيف أشخاص جدد بما يتماشى مع التغييرات الحاصلة في عالم الأعمال، وإلا فإن تخلفها عن ذلك سيضعها في موقف تنافسي ضعيف للغاية.

منطق التوظيف الجديد

ويقول الخبير في التوظيف والموارد البشرية أحمد العبد الله، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن الشركات الكبرى لم تعد تُقيّم الموظفين بناءً على المؤهلات الأكاديمية أو الخبرة العملية فقط، بل باتت تطلب منهم إثبات أن المهام التي سيؤدونها لا يمكن للذكاء الاصطناعي إنجازها بنفس الكفاءة، وبهذا المعنى تسعى الشركات إلى ضمان أن الاستثمار في أي موظف جديد، سيولّد قيمة مضافة حقيقية يصعب على الآلة تكرارها، مشيراً إلى أن هذا التحول يعكس انتقالاً واضحاً من منطق التوظيف القائم على التوسع والنمو، إلى منطق أكثر يرتكز على التبرير الاقتصادي، حيث أصبح المطلوب موظفاً يقدّم ما تعجز الخوارزميات عن إنتاجه.

وبحسب العبد الله فإن اشتراط إثبات أن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع أداء المهمة، يُحمّل الأفراد عبئاً غير عادل، فالتكنولوجيا تتطور بوتيرة لا يمكن للفرد مجاراتها، ما يعني أن صلاحية "القيمة البشرية" أصبحت مؤقتة، فوظيفة اليوم التي قد تكون غير قابلة للأتمتة، قد تصبح كذلك خلال أشهر، وهذا يولد حالة من عدم اليقين الوظيفي، ما يعيد تعريف مفهوم الاستقرار المهني، لافتاً إلى أن هذا النهج يحوّل الموظف من شريك طويل الأمد، إلى "أصل مشروط" يستمر فقط طالما لم تظهر أداة أذكى أو أرخص منه.

تجويف سوق العمل

ويرى العبد الله أن الخطورة الحقيقية في هذا النهج، لا تكمن فقط في فقدان الوظائف على المدى القصير، بل في ما يمكن وصفه بتجويف سوق العمل من الداخل، فحين تُغلق الشركات أبواب الوظائف المبتدئة، فإنها لا تسعى إلى خفض التكاليف فحسب، بل تقطع عملياً سلسلة إعداد وتدريب الأجيال المقبلة من الكفاءات، مشيراً إلى أن الوظائف الدنيا شكّلت تاريخياً، مختبر التعلم الأساسي الذي تُبنى فيه الخبرة المهنية تدريجياً، وما يجري اليوم هو استبدالها بأنظمة ذكية لا تحتاج إلى تراكم خبرات.

الـ AI يوزع السلطة داخل الشركات

من جهته يقول روجيه منصور وهو مدير توظيف في شركة إنتاج، إن الحديث عن الذكاء الاصطناعي غالباً ما يُختزل في السؤال عن الخسائر الوظيفية، ولكن الصورة الأوسع تكشف تحولاً جذرياً في طبيعة الوظائف نفسها، فالذكاء الاصطناعي لا يخلق وظائف فقط، بل يفرض بنية تنظيمية جديدة داخل الشركات ويعيد توزيع السلطة والقرار، كاشفاً عن عدد الوظائف التي ظهرت حديثاً بسبب الذكاء الاصطناعي مثل مهندس الأوامر، مصمم محادثات الذكاء الاصطناعي، قائد التعاون البشري مع الذكاء الاصطناعي، ومهندس تنسيق ومُعَنوِن بيانات وغيرها الكثير، وهذا يدل على أن العالم أمام اقتصاد جديد، يحتاج إلى أدوار وظيفية تُفسّر وتُقرر وتُراجع ما تنتجه الخوارزميات.

أخبار ذات صلة

قبل 2030.. الذكاء الاصطناعي سيقضي على هذه الوظائف
سوق العمل والوظائف.. "اليد العليا" لصناعة الروبوتات

لا مكان للوظائف التقليدية

ويوضح منصور، أن الأهمية الحقيقية لهذه الأدوار المستحدثة، تكمن في أنها تؤكد أن الذكاء الاصطناعي لا يُقصي الإنسان من سوق العمل، بل يعيد تموضعه في مستوى أعلى ضمن سلسلة القيمة، فالأنظمة الذكية قد تتولى التنفيذ والإنتاج، ولكن يبقى الإنسان المسؤول عن وضع الإطار العام، واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية النهائية عن النتائج، حيث أنه وانطلاقاً من هذا المنظور يمكن فهم سلوك الشركات التي لم تعد تبحث عن توظيف أشخاص لمجرد شَغل مقاعد وظيفية، بل عن أدوار واضحة تضيف قيمة لا تستطيع الخوارزميات تقديمها.

ويشدد منصور على أن الواقع الجديد لسوق العمل يضع مسؤولية على الجيل الجديد، إذ لم يعد كافياً امتلاك المهارات التقليدية، بل بات مطلوباً الاستعداد علمياً لوظائف جديدة آخذة في التشكل، وهنا تبرز أيضاً مسؤولية المدارس والجامعات على وجه الخصوص، التي يُفترض بها أن تعيد توجيه طلابها نحو احتياجات سوق العمل الفعلية، بدلاً من تركهم يستثمرون سنوات من التعليم في مسارات مهنية شارفت على الاندثار.

خطر تجاهل الوظائف الجديدة

ويحذر منصور من أن الشركات التي تركز حصرياً على تقليص عدد الموظفين، دون الاستثمار في الأدوار الجديدة التي يخلقها الذكاء الاصطناعي، ستجد نفسها عاجزة عن التعامل مع الأنظمة الذكية الحديثة، ومتأخرة عن منافسيها، ومهددة بفقدان القدرة على استثمار الفرص التي توفرها التكنولوجيا.

الذكاء الاصطناعي والوظائف في العالم العربي