تجددت المخاوف في الأوساط المالية من تآكل استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، مع تصاعد التحقيق الجنائي المرتبط برئيسه جيروم باول، في تطور يتجاوز أبعاده القانونية ليمس جوهر العلاقة الحساسة بين السياسة النقدية والسلطة التنفيذية.

في وقت تعتمد فيه الأسواق العالمية على مصداقية البنك المركزي الأميركي كمرساة للاستقرار النقدي، يعيد هذا الملف فتح نقاش قديم جديد حول حدود التدخل السياسي في قرارات يفترض أنها تُتخذ بمعزل عن الضغوط.

أخبار ذات صلة

رؤساء سابقون للفيدرالي ينتقدون التحقيق الجنائي ضد باول
مستشار للبيت الأبيض يدعم التحقيق مع رئيس الفيدرالي

تنذر هذه التطورات بآثار تتجاوز واشنطن، إذ ينظر المستثمرون إلى استقلالية الاحتياطي الفيدرالي باعتبارها أحد أعمدة الثقة في الدولار والنظام المالي العالمي. وأي تشكيك في هذه الاستقلالية ينعكس سريعًا على سلوك الأسواق، من خلال ارتفاع علاوات المخاطر، وتزايد التقلبات، وتراجع شهية المخاطرة، وسط مخاوف من أن تتحول السياسة النقدية إلى أداة خاضعة للاعتبارات السياسية لا للمعطيات الاقتصادية.

وبينما يترقب المستثمرون مآلات التحقيق مع باول، تبقى المخاوف الأكبر مرتبطة بما إذا كان هذا المسار سيقوض أحد أهم مرتكزات الاستقرار المالي الأميركي، في لحظة تتسم أصلًا بحساسية استثنائية للأسواق العالمية.

أخبار ذات صلة

الدولار تحت النار.. خلاف ترامب وباول يشعل الأسواق
باول إلى القضاء: معركة السيطرة على الفيدرالي تتصاعد

حرب قانونية

يشير تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن:

  • التحقيق الجنائي مع جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، ظاهرياً بسبب شهادته حول تجديدات المباني، ما هو إلا هجوم آخر ذو دوافع سياسية من إدارة ترامب.
  • في دولةٍ يرتبط نجاحها إلى حدٍ كبيرٍ بالإيمان بسيادة القانون، يُعدّ الاعتقاد بأن الإدارة تستخدم "الحرب القانونية" لتقويض استقلالية الاحتياطي الفيدرالي مثالاً صارخاً على كيفية انهيار الأعراف، وكيف التزم رجال الأعمال صمتاً مريباً. المزيد من التفاصيل أدناه.
  • وتشهد الأسواق حالة من التوتر بعد أن شنت إدارة ترامب هجومها الأكثر مباشرة حتى الآن على باول، ويبدو أن هذا الهجوم موجه أيضاً إلى الاستقلال السياسي للبنك المركزي.

ويشير التقرير إلى نه في الوقت الراهن، يبدو من غير المرجح أن تُسفر هذه المعركة عن خفض أسعار الفائدة بشكل جذري، وهو ما طالما طالب به الرئيس ترامب. وقد تُلقي بظلالها على من سيخلف باول، وربما تُضعف ثقة المستثمرين في استقرار الاحتياطي الفيدرالي.

وكان باول قد رد على اتهامات الإدارة قائلاً: "لا يتعلق هذا التهديد الجديد بشهادتي في يونيو الماضي، ولا بتجديد مباني الاحتياطي الفيدرالي. كما أنه لا يتعلق بدور الكونغرس الرقابي؛ فقد بذل الاحتياطي الفيدرالي، من خلال الشهادات والإفصاحات العامة الأخرى، قصارى جهده لإبقاء الكونغرس على اطلاع بمشروع التجديد.. هذه مجرد ذرائع.. إن التهديد بتوجيه اتهامات جنائية هو نتيجة لتحديد الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة بناءً على أفضل تقييم لدينا لما يخدم المصلحة العامة، بدلاً من اتباع رغبات الرئيس".

أخبار ذات صلة

"بيع أميركا" يعود إلى الواجهة بعد تصعيد ضد رئيس الفيدرالي
مكاسب آسيوية وضغوط على وول ستريت مع تصاعد التهديدات ضد باول

لكن في معرض تعليقه على الادعاءات بأن القضية تهدف إلى الضغط على باول لخفض أسعار الفائدة، أضاف ترامب: "لن أفكر حتى في القيام بذلك بهذه الطريقة.. ما يجب أن يضغط عليه هو حقيقة أن أسعار الفائدة مرتفعة للغاية". (مع ذلك، قال ترامب في أواخر الشهر الماضي إنه قد يقاضي باول بتهمة "عدم الكفاءة الفادحة").

  • يشير عدد من الاقتصاديين إلى أن تصريح باول يوحي بأن احتمالية خفض الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة في اجتماعه هذا الشهر ستكون أقل بكثير.
  • كان يُنظر إلى البنك المركزي بالفعل على أنه غير مرجح للقيام بذلك، بالنظر إلى البيانات الاقتصادية الأخيرة ، لكن توقعات أسعار الفائدة المستقبلية للاحتياطي الفيدرالي تشير إلى أن هناك احتمالاً بنسبة 5 بالمئة فقط أن يفعل ذلك هذا الشهر، ومن المرجح ألا يتحرك حتى يونيو.

تنامي المخاوف

يقول رئيس قسم الأسواق المالية في شركة FXPro، ميشال صليبي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":

  • تنامي المخاوف المتعلقة باستقلالية الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يحمل دلالات بالغة الأهمية للأسواق المالية العالمية، لكونه يمس جوهر ومصداقية السياسة النقدية في الولايات المتحدة، باعتبارها أكبر اقتصاد في العالم.
  • أي تشكيك في قدرة الاحتياطي الفيدرالي على اتخاذ قرارات مستقلة بعيدًا عن الضغوط السياسية ينعكس مباشرة على ارتفاع علاوة المخاطر وزيادة مستويات عدم اليقين، وهو ما يترجم عادةً بتقلبات أعلى في الأسواق وتراجع شهية المستثمرين للمخاطرة على المدى القصير.

ويضيف أن هذه الأجواء تفرض ضغوطًا عامة على الدولار الأميركي، رغم ما يشهده حاليًا من قدر من الاستقرار النسبي مدعومًا بالصراعات السياسية العالمية المرتبطة بدور الدولار، مؤكدًا أن استقلالية البنك المركزي تظل عنصرًا أساسيًا في تعزيز ثقة المستثمرين بالعملة الأميركية.

أخبار ذات صلة

رسوم ترامب على مائدة القضاء.. سيناريوهات الحكم المرتقب
مشهد ضبابي.. ما الذي ينتظر سياسة الفيدرالي الأميركي؟

كما يلفت إلى أن أي إشارات تُفسَّر على أنها تسييس للسياسة النقدية أو تراجع في الالتزام بمكافحة التضخم قد تدفع الدولار إلى مزيد من الضغوط، بالتوازي مع انعكاسات مباشرة على سوق السندات، حيث تطالب الأسواق بعوائد أعلى لتعويض المخاطر المرتبطة بالتضخم أو غياب الانضباط النقدي، ما يؤدي إلى ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية.

ويؤكد رئيس قسم الأسواق المالية في شركة FXPro أن:

  • هذه التطورات تؤدي إلى إعادة تسعير واسعة للأصول الحساسة لأسعار الفائدة.
  • المستفيد الأكبر في مثل هذه الظروف هو الذهب، الذي يلقى دعمًا قويًا بوصفه مخزنًا للقيمة وأداة تحوط رئيسية في مواجهة تآكل الثقة بالسياسة النقدية، إلى جانب بعض العملات والسلع الأخرى التي قد تستقطب تدفقات تحوطية.

ويختتم حديثه بالقول إن إعادة تسعير توقعات أسعار الفائدة تمثل أحد أخطر التداعيات، إذ إن أي غموض أو ارتباك بشأن مسار رفع أو خفض الفائدة سينعكس بشكل مباشر على تقييمات الأسهم، ولا سيما أسهم النمو الأكثر حساسية لمعدلات الخصم والتدفقات النقدية المستقبلية.

هجوم حاد

وإلى ذلك، شنّ جميع رؤساء مجلس الاحتياطي الفيدرالي السابقين الأحياء يوم الاثنين هجوماً على تحقيق وزارة العدل في قضية رئيس البنك المركزي جاي باول، متهمين إدارة ترامب بإدارة الولايات المتحدة كسوق ناشئة، بحسب صحيفة فايننشال تايمز.

  • وقّع رؤساء سابقون لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، بمن فيهم جانيت يلين وبن برنانكي وآلان غرينسبان، بياناً ينتقدون فيه ما وصفوه بأنه "محاولة غير مسبوقة لاستخدام الهجمات القضائية لتقويض استقلال مجلس الاحتياطي الفيدرالي".
  • كتبت المجموعة ، التي ضمت كبار المسؤولين الاقتصاديين من الإدارات الجمهورية والديمقراطية: "هكذا تُصاغ السياسة النقدية في الأسواق الناشئة ذات المؤسسات الضعيفة، مع عواقب سلبية للغاية على التضخم وأداء اقتصاداتها بشكل عام".
  • وأضاف البيان: "ليس له مكان في الولايات المتحدة، التي تكمن قوتها العظمى في سيادة القانون، وهو أساس نجاحنا الاقتصادي".

وجاء هذا التوبيخ الشديد بعد أن تبين في وقت متأخر من يوم الأحد أن المدعين العامين قد فتحوا تحقيقاً جنائياً مع باول بشأن تجديد مقر الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن بتكلفة 2.5 مليار دولار.

كما سارع العديد من المشرعين - بمن فيهم عدد قليل من الجمهوريين - إلى انتقاد حملة الضغط التي شنتها الإدارة ضد باول. كما امتدت تداعيات ذلك دولياً أيضاً، حيث أعرب محافظ بنك فرنسا فرانسوا فيليروي دي غالهو أيضاً عن دعمه لباول يوم الاثنين، وفق التقرير.

جرس إنذار

يقول خبير أسواق المال محمد سعيد، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":

  • تجدد المخاوف بشأن استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي يُعد بمثابة جرس إنذار حقيقي للأسواق العالمية.
  • هذه المخاوف تضرب العصب الرئيسي الذي تقوم عليه الثقة في النظام المالي العالمي بأكمله.
  • المشهد بدأ يأخذ منحنى خطيرًا مع ظهور تقارير تتحدث عن ضغوط سياسية وتحقيقات جنائية تبدو في ظاهرها إدارية، إلا أن الأسواق قرأتها سريعًا كذريعة محتملة للتدخل في القرارات النقدية.
  • أي تدخل من هذا النوع يعني ببساطة أن قرارات الفائدة والسيولة قد تصبح رهينة للأجندات الانتخابية ورغبات السياسيين، بدلًا من أن تُبنى على البيانات الاقتصادية البحتة ومحاربة التضخم.

ويوضح أن هذه التطورات خلقت حالة فزع فوري في الأسواق، انعكست بوضوح على حركة رؤوس الأموال، حيث بدأ المستثمرون في الهروب الجماعي من الدولار الذي تراجعت جاذبيته كعملة احتياط عالمية بمجرد التشكيك في حيادية المؤسسة التي تصدره، لافتًا إلى أن السيولة الهاربة اتجهت بسرعة نحو الملاذات الآمنة التقليدية، وعلى رأسها الذهب الذي سجل مستويات قياسية تاريخية، مدعومًا برغبة المستثمرين في التحوط من المجهول ومن احتمالية تآكل القوة الشرائية للعملات الورقية.

ويختتم تصريحه بالتأكيد على أن استقلالية البنوك المركزية ليست رفاهية بل صمام أمان أساسي يمنع انزلاق الاقتصاد إلى الفوضى، مشددًا على أن أي مساس بهذا المبدأ يفتح الباب لسيناريوهات قاتمة تتمثل في ارتفاع تكلفة الاقتراض، وضعف العملة، وصعوبة التخطيط المالي، وهو ما يفسر حالة الترقب والحذر الشديد التي تسيطر على الأسواق تجاه كل تصريح أو تحرك سياسي في المرحلة الحالية.

خلافات ترامب ورئيس الاحتياطي الفيدرالي تقلق المستثمرين