انقسم الإخوان مع مطلع الألفية إلى إخوانين: إخوان قطر، والإخوان التقليديين. أما إخوان قطر فقد تعددت تسمياتهم وسماتهم، ما بين شباب الإخوان، أو ”إكس إخوان“، أو "مش إخوان بس بيحترمهم".

وبرز قياديا أشخاص بأعينهم في مصر والسعودية أو اليمن، كلهم يقسمون بالله إنهم ليسوا إخوانا. وربما صدقوا. ذلك أن الإخوان في قطر حلوا التنظيم عام 1999، فصار الإخواني - تقنيا - ليس إخوانا، بل منتسبا إلى مشروع قطر البعثي الجديد تحت شعار "الحضارة الإسلامية"، بدل المشروع البعثي السابق تحت شعار ”الحضارة العربية“، وهو - على خطى البعث - مشروع له منابر تلتزم بنفس السقف.

أكثر الهيئات التي بلورت تلك الفكرة كان حزب مصر القوية. قوامه إخوان ”سابقون“، لكنه يضم أيضا يساريين وقوميين، إعلاميين وفنانين، وهو - ولاحظوا التسمية - يحمل نفس العقيدة البعثية، الإمبراطورية ذات العضلات التي ستعيد أمجاد بني عثمان وبني العباس وبني أمية، حسب المادة الإعلانية التي اختزلوا إليها التاريخ.

الفكرة لم تكن اللحمة الوحيدة التي جمعت هؤلاء. هناك ما هو أهم سياسيا، الشبكة المادية التي وفرت لمنتسبيها فرصا للبروز، ومشاريع شبابية، ووسائل إعلام، وميزانيات إنتاج أفلام، ومراكز بحثية، ومنحا دراسية، ومشاركات في ندوات.

أمور لا تزال حتى الآن موجودة ومسيطرة على الإعلام العربي في الغرب. شبكة من المعارف تعطي منتسبيها الأولوية، وتبعد من يعارضهم. بل وتهجم عليه حتى تغتاله معنويا وماليا. وفي المقابل "تنجم" أصحاب المواقف المؤيدة لها، مسبغة عليهم أسدال النضال، ومعرفة بهم في سوق الإعلام العالمي.

نجحت هذه الشبكة وقت الربيع العربي في التأثير الإعلامي. وكانت محركة أساسية للرأي العام. لكنها لم تكن تدري أن لعبة السياسة ستضعها في مأزق حرج جدا على رقعة الشطرنج، يحول الربيع العربي من فرصة إلى نقمة.

أولا: لقد كشف منتسبوها ممن لم نكن نعرف علاقتهم بتنظيم "البعث" القطري عن أنفسهم، ولقد اكتشفت بشكل شخصي أصدقاء لم أكن أتوقع أبدا علاقتهم بـ ”الشبكة“، ولا أزال.

ثانيا: لقد اضطروا إلى الاختيار في لحظة الاختيار. فأثبتوا ما كنا نخمنه من قبل أنهم وإن بدوا ”تقدميين“ وسموا أنفسهم كذلك، فإنهم في الحقيقة بلا عمق سوى المتشددين، أنهم وإن بدوا ”وسطيين“ وسموا أنفسهم كذلك، فإن قوتهم الضاغطة المتطرفين، لا شك في ذلك.

في لحظة الاختيار في مصر انحازوا إلى الإخوان التقليديين، العنصريين، الرجعيين، السلطويين الفاشيين.

ليس هذا فحسب. بل لم يسمحوا لأي فرصة، أو دعوة، لتقارب بين القوى المدنية نتقي به شر الإخوان. أثبتوا أن هؤلاء هم الأهل والعشيرة الحقيقيون. ثم في 30 يونيو وضحت الصورة أكثر، فرأينا شخصياتهم البارزة، عبد المنعم أبو الفتوح في مصر، وناشطة نسائية في اليمن، يؤيدون 30 يونيو، لكنهم ينقلبون عليها ويقاطعون مسارها السياسي بمجرد أن وضح لهم أن لا مكان لعمقهم الإخواني في المستقبل. وهو نفس الموقف القطري طبق الأصل. موقف تبعهم فيه امتداداتهم الأخرى.

 لو انتقلت من مصر إلى بلدان أخرى، ستجد دائما أن هناك دائما لحظة الخيار الحاسم. وأنه في لحظة الخيار الحاسم تلك تكشف الوجوه "الوسطية" عن نفسها، كوجوه إخوانية تقليدية تماما. وكلمة السر دائما، مصلحة الدوحة الاستراتيجية، ومصلحة رجالها، ومصلحة التنظيم الإخواني (الذي يتنصلون منه).

وسطية الإخوان تعني سياسة "الانفراجة الضيقة"، بمساحة تكفيهم وحدهم، لا تضيق أكثر فتسد عليهم، وقتها سيرفعون شعارات الحرية، لكنها أيضا لا تتسع أكثر لتشمل آخرين، وقتها سيرفعون راية المتشددين والسلفيين.