الفكرة الإسلامجية السياسية بنيت على خطاب بسيط جدا، مرتب كالتالي: "هذه الحكومات فاشلة. ولن ينصلح الحال إلا بحكومة على نسختنا الإسلامية".

من هنا كان جزء كبير من جهد الإخوان السياسي مبنيا على إبراز فشل حكومات الدول المستهدفة.

ومعظم الدول المستهدفة سهلت المهمة عليهم. ليس فقط بفشلها الإداري. بل بخضوعها هي نفسها تحت الهيمنة الأخلاقية لخطاب الإخوان.

تعالوا نأخذ مصر مثالا. نشأ الإخوان ومصر في أوج صعودها الفني والثقافي والاقتصادي والأدبي. منشأ هذا الصعود رؤية فكرية سياسية اجتماعية حديثة، قوامها الانفتاح. الانفتاح على المختلف عنك طائفيا ودينيا في الداخل، والانفتاح على الأجانب وخبراتهم. فصارت مصر بوتقة مرحبة بالخبرات والقدرات لا طاردة لها.

وكانت دعوة الإخوان العكس تماما. حتى تحالفوا مع الضباط الأحرار على إسقاط النظام المصري. لم يحكم الإخوان بسبب صراعهم مع ناصر على السلطة ولكن حكمت قيمهم تحت شعارات أخرى.

 فشل الضباط الأحرار بسبب مساعيهم التوسعية المرهقة خارجيا. لقد كانوا مدفوعين كالإخوان بفكرة الخلافة، ولكن الخلافة العربية من القاهرة تحت اسم الوحدة العربية. وهذا جرهم إلى حرب في اليمن ومغامرة في سوريا وتدخل سافر في الشأن العراقي واللبناني وخلاف مع السعودية.

سياستهم الخارجية كانت محكومة إلى حد كبير بعلاقات الولاء والبراء، والصراع ضد الاستكبار العالمي، والحرب على "المنافقين"، ولكن دون أن يسموها بتلك الأسماء. نفس الشعارات الإسلامية.

ففي عهد الضباط الأحرار، ونزولا على خطاب الإخوان، توسعوا توسعا رهيبا في نفوذ الأزهر، واستخدموا الدعاية الدينية غير المعلنة في مطاردة اليهود والأجانب، وفي وضع سقف للمسيحيين، فكان الضباط الأحرار إذن جماعة الإخوان حين لا ترتدي "الطرحة".

هذا الخضوع لقيم الإخوان ضمانة للفشل السياسي. وهذا يحقق غرض الإخوان. لكنه في نفس الوقت يعفيهم من المسؤولية. مما يحقق لهم ميزة أخرى. ميزة استمرار الاستعلاء المعنوي. والاستمرار في ملاحقة الحكومات وتفشيلها، والاستمرار في الادعاء أن "نموذجهم" لو حكم لحمل الخير لمصر.

مصر حتى الآن لا تستطيع أن تنفتح سياسيا في الداخل بسبب خضوعها لخطاب الإخوان الطائفي، ولا تستطيع أن تنفتح سياحيا، بسبب خطاب الإخوان ضد السياحة، التي "ستضيع قيمنا"، ناهيك عن الاستهداف الجسدي للسياح، وبالتالي تخويف رأس المال الأجنبي.

ليس مسموحا لنا أن نجرب نموذجا آخر، متحررا من الدعاية الإخوانية، ثم نرى هل سينجح أم لا. أولا بسبب الإخوان. وثانيا بسبب دعايتهم الاجتماعية، التي وصلت إلى أذهان أعلى مستويات السلطة واستقرت، فليس مسموحا لأي نموذج آخر أن يعبر عن نفسه.

لكن الإمارات فعلت ذلك. فنجحت أبوظبي ودبي أن تكونا مدينتين عالميتين، يذكر أسماهما مقرونا بفرص الاستثمار والسياحة والطموح. ونجحت الشارقة والعين في أن تكونا مدينتين إقليميتين يرتبط أسماهما بالثقافة والتفاعل الفني والفكري.

انفتاح سياحي واستثماري، استقرار وعلاقات متوازنة مع المحيط، رغبة في تقديم نموذج تنمية، وتنمية هذا النموذج، أكبر كثيرا من الرغبة في فرضه.

نجحت الإمارات في تقديم نسخة "متحررة" من نموذج الإخوان. نسخة صاغتها هي بنفسها ليست مدفوعة بالمعية ولا بالضدية. بل مدفوعة بما يتناسب مع الإمارات ومع العالم.

وهذا - يعلم الإخوان - أكبر خطر عليهم، وهو أن يثبت مجتمع مسلم محافظ أنه يستطيع أن ينجح دون النموذج السياسي، الذي يقدمونه لنا دينا، ويفرضونه علينا تاريخا، ويلزموننا به مستقبلا.

لهذا يكرهون الإمارات جدا. ويتمنون تمنيا ملحا أن تفشل. يريدون أن يشيروا إليها ويقولوا "ألم نقل لكم"، لقد فشلت الإمارات. لكن الإخوان لا يقفون في الكره عند حدود الدعاية، بل يسعون حثيثا إلى تخريب البيوت بأيديهم.

سينشرون الدعاية على الإمارات. سيتآمرون على الإمارات. سيسعون بالوشاية الإعلامية والسياسية ما استطاعوا إليها سبيلا. سيوظفون كل محازبيهم وتابعيهم "المثقفين" يروجون أن تجربة الإمارات لا تستحق مثل هذا الاحتفاء، سينشرون عدم الثقة في استقرار الإمارات، سيحاربون ويتهمون كل من يتفوه بكلمة جيدة عن الإمارات في ذمته.

فشل الإمارات بالنسبة للإخوان، وما تبنى فكرهم من أنظمة، غرض أساسي. إنه غرض وجود. الإخوان يريدون أن تظل المنطقة ظلاما دامسا، لكي يقدموا أنفسهم على أنهم النور في نهاية النفق. كل إشراقة، كل فتحة هواء في السقف، كل مخرج يمنح أملا يقلص أهميتهم.