يعيش الإسرائيليون في أيام مثيرة للأعصاب وواقع ما اعتادوا عليه يوماً، إذ تمر بلادهم بواحدة من أهم حروبها منذ تأسيسها، فلا مكان للفرح ومشهد المحتجزين مازال غائماً وضبابياً بعد أن فشل تمديد الهدن وفشل نتنياهو في استردادهم بالقوة النارية، فذهب يبحث عن صورة نصرٍ يعود به إلى الداخل الإسرائيلي ليغطيَ به عن مسؤوليته بما حدث في 7 أكتوبر ويطيلَ عمره السياسي الذي سينتهي بالحساب والمساءلة.

وفقاً للغارديان فإن الجيش الإسرائيلي يرى أنّ حملة شاملة لاغتيال قادة حماس أفضل أمل له ليحقق أهدافه بتدمير الحركة وإجبارها على إرجاع الرّهائن الإسرائيليين بشروط مقبولة وإنهاء الصراع.

وفي مطلع ديسمبر الماضي أذاعت هيئة البث الإسرائيلية تسجيلاً لرئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي الشاباك رونين بار يقول فيه إن الأجهزة الأمنية تسعى للقضاء على حماس في غزة والضفة ولبنان وتركيا وقطر والأمر سيستغرق بضع سنوات.

وعليه فإن الانتقام الإسرائيلي ليس بالشيء الجديد أو المفاجئ، إذ تمثّل الاغتيالات بالنسبة لإسرائيل عقيدة أمنية سياسية.

وبالعودة إلى الوراء نجد أن إسرائيل اتبعت سياسة اغتيال قادة عسكريين تابعين لفصائل فلسطينية وغيرهم منذ ظهورها كدولة عام 1948، وبحسب المراجع الإسرائيلية فإن الدولة العبرية خلال 71 عاماً نفذّت نحو 2700 عملية اغتيال أي بمعدل ثمانٍ وثلاثين عمليةً سنوياً، فحملت الاغتيالات الإسرائيلية توقيع كلّ من غولدا مائير وإسحق رابين ومناحم بيغن وإسحق شامير وإيهود أولمرت وإرييل شارون ونتنياهو ومن سيكون بعده..

حرب القادة بدأت

بعد نصف قرن على عملية "غضب الرّب" على قادة "منظمة أيلول الأسود" التي نفذت "عملية ميونخ" عام 1972، على ما يبدو أنّ إسرائيل ستستعين بهذا السيناريو، وستعمل على تصفية قادة حماس كما في الماضي استهدفت كافة القادة المسؤولين عن حادثة مقتل أعضاء الفريق الأولمبي الإسرائيلي، إذ نقلت شبكة إن بي سي نيوز الأميركية عن مسؤولين إسرائيليين أن أجهزة الاستخبارات شكلت مهمة مشتركة تحت اسم نيلي لتلاحق قادة حماس وكوادرها في كل مكان.

لكن السؤال هنا هو أنه وبين غضب الرب 1972 ونيلي 2023، هل سينجح مشهد تكرار السيناريو بعد نصف قرن؟

بالتأكيد ستنجح في ذلك.

فإسرائيل التي أوقفت عقارب ساعتها على عملية ميونخ واغتالت عاطف بسيسو بعد 20 عاماً من الملاحقة لا شيء سيوقفها على تصفية قادة الحركة التي ضربت حياةَ نتنياهو السياسية، ولم تكن عملية الفردان سوى بداية المسلسل الذي شارك في بطولته الضابط إيهود باراك متنكراً بزي امرأة ترتدي كعب ستيليتو مع شعر غجري يسافر في كل الدنيا، ويغتالَ أبو يوسف النجار وكمال ناصر وكمال عدوان في العاصمة الجميلة بيروت انتقاماً لحادثة 1972.

رغم أن الاغتيالات الإسرائيلية قد تقتل أبرياء مدنيين، فالتفجيرات والمسيّرات التي تستهدف قائداً بعينه ستوقع معه في مكان الحادث مدنيين، ناهيك عن ما حدث للنادل المغربي شبيه علي حسن سلامة الذي أوقعته عملية غضب الرب قتيلاً في ليلهامر النرويجية بـ11 رصاصة انتقاماً للرياضيين الإسرائيليين الأحد عشر، وهو ما شكل نقطة سوداء في تاريخ الاستخبارات الإسرائيلية، ورغم أنّ الاغتيالات الإسرائيلية بالتأكيد تشكل انتهاكاً صارخاً لسيادة الدول الحاضنة للأشخاص المستهدفين، كما حدث قبل أيام باغتيال العاروري في ضاحية حزب الله وبالتالي انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، إلا أن ذلك لن يوقف الموساد الذي أطلق عملية نيلي ووضع لائحة تشبه لائحة أهداف غولدا مائير، ما يعني وبالخط العريض أن حرب قادة حماس بدأت باغتيال العاروري، ولن تنتهي إلا بتصفيتهم جميعاً إلا إذا كان في حسابات الحركة ما يختلف عما كان في حسابات أيلول الأسود.

فسياسية قطع الرؤوس لها اعتباراتها المتمثلة بحجم التغييرات الطارئة على المنطقة.

والسؤال هنا هو إذا نجحت إسرائيل في تكتيك استهداف القادة، فهل عبر هذا التكتيك ستنجح في محو حماس من الوجود الفلسطيني؟

وإنّ غداً لناظره قريب..

والقادم أعظم