شهدت الأيام الماضية هجمة على النزوح السوري الى لبنان. وللمرة الأولى وصلت مفاعيل هذه الهجمة إلى مجلس الوزراء، إذ ترأس رئيس الحكومة نجيب ميقاتي اجتماعا للجنة الوزارية المكلفة بحث موضوع النازحين السوريين، وملف المساعدات المالية بالعملة الصعبة التي تقدمها لهم المؤسسات الدولية والجمعيات في ظل الأزمة التي يعاني منها اللبنانيون.

ومعلوم أن ورقة النزوح السوري فزاعة يستخدمها فريق من المتعاطين بالشأن السياسي بعيدا عن المستوى السياسي الرسمي، وغالبا وفق استراتيجية شعبوية تعتمد تحريك الغرائز العنصرية وتخويف المسيحيين بشكل خاص من تغيير ديموغرافي يؤثر عليهم، وتحديدا مع تدني نسبة وجودهم في لبنان قياسا إلى الطوائف الأخرى.

ويبقى رئيس التيار الوطني الحر وصهر رئيس الجمهورية النائب جبران باسيل أبرع من يتاجر بهذه الورقة ويستغلها، فقد أكد قبل يومين على أنه يريد "أن يعود النازحون السوريون إلى سوريا لأنه حقهم، ولأن أرض لبنان وإمكانياته محدودة والنزوح مثل اللجوء، إذا طال يصبح شكلاً من أشكال التوطين ويؤدي لاختلال اجتماعي".

فهو يصر على أنه حامي الحما، ولولاه ولولا تياره لكان المسيحيون في البحر يبحثون عن وطن يلمهم، ويتعامى عن أن جميع اللبنانيين إلى أي طائفة انتموا، صاروا بفضله وبفضل باقي المسؤولين، لا يتورعون عن رمي أنفسهم في البحر بحثا عن وطن يلمهم، أو موت، ولو غير رحيم يخلصهم من معاناتهم التي انتجتها هذه الطبقة من المسؤولين بمعزل عن النزوح السوري وغيره.

أما التطور الرسمي في إثارة ملف النازحين السوريين في الاجتماع الوزاري فهو قمة الخبث السياسي، وعدا كونه شماعة يعلِّق عليها المسؤولون فشلهم في إدارة البلاد وعجزهم عن حماية اللبنانيين وتأمين الحد الأدنى من حقوقهم وتبرير السرقة الموصوفة لأموالهم وودائعهم، له أهدافه المكشوفة.

وأهم هذه الأهداف يتعلق بملف المساعدات المالية بالعملة الصعبة التي تقدم للاجئين السوريين من دون المرور بمؤسسات رسمية قادرة على سرقتها، وذلك في سعي لابتزاز المجتمع الدولي الذي يشترط الإصلاح مقابل تقديم مساعدات إلى هذه المؤسسات مقابل إنقاذ الاقتصاد اللبناني المنهار بفعل الفساد والمحسوبيات.

والمفارقة أن من أطلق صيحة عجز الدولة عن تحمل تبعات النزوح هما حليفا النظام السوري، وزير العمل مصطفى بيرم المحسوب على "حزب الله"، ووزير الشؤون الاجتماعية هكتور الحجار المحسوب على التيار الوطني الحر، أي على رئيس الجمهورية ميشال عون وصهره المنهارة شعبيته والطامح لوراثة عمه.

بالتالي، مرجعيتهما السياسية هي الأقدر على التنسيق مع هذا النظام لبحث ملف النازحين السوريين ووسائل تأمين العودة الآمنة لهم إلى ديارهم، إذا ما صفت النيات.

وقمة المفارقة أن يقول ممثل "حزب الله": "لدينا حقوق لا نحصل عليها، يكفي اليوم أن نرى طوابير اللبنانيين أمام المصارف والصراف الآلي، في الوقت الذي يتلقى فيه الآخرون من جنسيات أخرى مساعدات مباشرة بالدولار (الفريش)، ويتقاسمون معنا الماء والكهرباء والموارد، فيما نحن لا نحصل على شيء". ويضيف: "نجد مؤسسات ومنظمات دولية ودولا تعقد اتفاقات مع جمعيات اللبنانية وتدفع لها بالدولار من دون المرور بالدولة اللبنانية، وبصراحة هذا الوضع السائب لم يعد مقبولا".

فالمعروف أن الحزب لا يعترف أصلا بالدولة، ولا يحتاجها إلا لتسيير أعماله الخاصة، فله جيشه الذي يتباهى بأنه أكثر من مئة ألف مقاتل، وبأنه يدفع رواتبهم بالدولار (الفريش). والأهم أن الحزب يسيطر على الحدود مع سورية عبر المعابر غير الشرعية ويتحكم بحركة التهريب للمواد التي كانت مدعومة من ودائع اللبنانيين ويسهل تهريب السوريين بالاتجاهين من دون أي إجراءات قانونية مرعية.

والمعروف أن باسيل يستفيد من الحزب الذي ينتهك السيادة والقانون، ووجوده مرهون بتحالفه وإياه. فهو يشكل الغطاء المسيحي المطلوب لتأمين غلبة السلاح غير الشرعي لحماية مصالح المحور الإيراني في المنطقة.

والفظيع في كلام بيرم هو إشارته إلى ارتفاع مستوى الجريمة "كما يرد في التقارير الأسبوعية للقوى الأمنية". فهو يتجاهل أن كل جريمة لا ترتبط بحزبه يصار إلى كشف ملابساته، وغالبا ما تكون فردية، وغياب الدولة هو أحد أسببها، في تغيب عن هذه التقارير الجرائم الكبرى التي تتعلق بالاغتيالات وتفجير مرفأ بيروت، ولائحة تطول وتستعصي على التحقيق والقضاء الممنوع من ملاحقة المرتكبين المعروفين بالاسم ومكان الإقامة.

بالتالي، يبدو التلويح بملف النازحين السوريين بتوقيته مغرضا. إن كان ثمة معاناة جراء التدفق العشوائي للسوريين إلى لبنان، فمردها بشكل أساسي إلى ضعف الدولة ومؤسساتها في تنظيم أمور هذا اللجوء منذ بدايته، ناهيك عن التجاذب السياسي العاكس للاصطفافات والحسابات الضيقة الخاصة لمصالح الأفرقاء وولاءاتهم الخارجية، ما حال دون الاتفاق على أي خطة فعالة تحمي الأمن والاقتصاد كما تحفظ الحقوق الإنسانية لهؤلاء اللاجئين.

بالمختصر، لا مبرر لتضخيم الأمور والتطرف في المزايدات الشعبوية، ولا لزوم لابتزاز المجتمع الدولي عبر إثارة مشكلة النازحين السوريين. فالحل موجود إذا ما أراد مصادرو السيادة اللبنانية ذلك. يكفي استعادة الدولة لهذه السيادة، ويكفي رفع يد الحرس الثوري الإيراني عنها وعن مؤسساتها، ويكفي حلفاء النظام السوري الممسكين بقرار البلد أن يبادروا إلى التنسيق مع هذا النظام لدرس سبل عودة النازحين الآمنة، والمراعية لحقوق الإنسان..

اللهم إلا إذا كان المطلوب بقاء النازحين في لبنان فزاعة، ليستغل باسيل مأساتهم ويبني شعبية في بيئته المسيحية وينفذ خطط من يواليهم.. وشماعة، تسمح لـ"حزب الله" بالمزايدة في احتجاجه على المساعدات التي تقدم إليهم مباشرة، لينهش أكثر في لحم الدولة ومؤسساتها ويدعى العفة وهو يجير المال العام لخزينته الخاصة.