يبدو أن حجز موطئ قدم أمنية للصين في جزر سليمان بعد جولات مكوكية بينها وبين الولايات المتحدة في التوافد على الجزيرة ينذر بتحويل الجزر إلى جيبوتي جديدة تجمع قواعداً عسكرية عديدة لغرماء التنين من تحالف أوكوس، أو سبراتلي جديدة تشكل ميداناً متقدماً للمقايضة بسلامة عضو في التحالف الخصم.
نجحت جيبوتي في جمع ثمان قواعد عسكرية على أراضيها، تعود لكلٍّ من الولايات المتحدة والصين وفرنسا وبريطانيا والسعودية وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، مع طموحات لروسيا والهند لإنشاء قواعد على أراضيها. عذر الدول المتواجدة يتراوح في أولوياته من الاستباقي لحماية حدود ومياه إقليمية قريبة إلى الاستراتيجي لضمان أمن الملاحة من القرصنة وضمان تدفق البضائع عبر مضيق باب المندب.
يهرع أعضاء تحالف أوكوس: أستراليا وبريطانيا والولايات المتحدة – أو الأعين الثلاث البديل للأعين الخمس بعد التهميش الجزئي لكندا ونيوزيلندا – لمنع أرخبيل جزر سليمان من التحول إلى قاعدة صينية متقدمة في بحر سليمان المتاخم لشرق أستراليا، على غرار أرخبيل جزر سبراتلي في بحر الصين الجنوبي، والحال عندئذٍ سيشكل إحباطاً لتايوان المرتبطة دبلوماسياً وتجارياً مع جزر سليمان منذ 1983، والأخيرة افتتحت سفارة لها في تايبيه في 2005، إلا أن التحول لاسترضاء الصين تم في 2019.
نقلات الشطرنج المتضمنة للدول الصغرى في صراع الكبار هذا ينذر بكارثة إذا ما نشبت حرب، يذكر بسيناريو صاغته مخيلة الروائي الإسكتلندي أليستاير ماكلين حول قصف الحلفاء لجزيرة نافارون اليونانية الوهمية لتدمير مدافعها النازية الضخمة التي أغرقت سفن الحلفاء في المتوسط. الرواية أصبحت فلماً في 1961 ومن أبطاله الراحل أنتوني كوين، الذي جسد لنا شخصيتي حمزة بن عبدالمطلب وعمر المختار.
الوضع في جيبوتي أهون لرقابة الكل على بعضهم البعض ولوحدة المصالح المعلنة من تواجدهم العسكري على أراضيها، لكنه خطير عند "تايوانة" جزر سليمان تجاه أستراليا مثلما تمت "سلمنة" تايوان من قبل الولايات المتحدة منذ عقود. من شأن تحول جزر سليمان إلى "سبراتلي" متقدمة أن يستنفر جهد حلف أوكوس للقيام بمرور استعراضي بالأساطيل والأسراب، تتشتت معه الجهود المماثلة لاستعراض التلميح بالردع عند تايوان.
سيكشف الوقت عن أبعاد الاتفاق الأمني الموقع بين الصين وجزر سليمان، وما إذا كان وسيلة لحكومة الجزر لتحويلها إلى حائط برلين مائي في المحيط الهادئ، أو مدافع نافارون قابلة للدك إذا حمي الوطيس. كل ما في الأمر هو أن رئيس وزراء جزر سليمان، السيد ماناسيه سوغافاري، قد نجح في جعل الولايات المتحدة تعرب عن قلقها في أسبوعين أكثر مما كان يفعل بان كي مون في ستة أشهر إبان أمانته العامة للأمم المتحدة!
هنالك لعبة شعبية في الصين تسمى "ويتشي" وتسمى بالإنجليزية Go، تتألف من رقعة مربعات يحاصر فيها اللاعب الأول بأحجاره بيضاء مناطق اللاعب الثاني بأحجاره السوداء، وقد يفيدنا جميعاً تعلم مبادئها لنعلم محاكاتها الجارية على خارطة الجغرافيا السياسية.