بعد أيام على انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس 2020، نُقل عن دبلوماسي بريطاني كان متواجداً في العاصمة اللبنانية أن ضربة خارجية فجّرت العنبر رقم 12 الشهير. يؤكد الدبلوماسي، الذي بقي كلامه غير رسمي وغير معلن، أنه شاهد بأم عينه واقعة الاعتداء الجوي، متقصّداً الهمس وإبقاء المعلومة “off record”. ولم يصدر عن لندن ما يتبنى رواية دبلوماسيها.

إثر تلك الفاجعة تحدث شهود كثر عن دوي انفجارين، وأسهب اختصاصيون في تحليل الألوان التي نفخها عصف الانفجار، والتي تفضح -بتشريح علمي- طبيعة المتفجرات التي تمّ صعقها، بما رجّح فرضية تدخل خارجي استهدف مخزنا ما داخل المرفأ تسبب بتمدد الشحنة الصاعقة إلى العنبر الذي كان يحوي 2754 طنا من نيترات الأمونيوم.

وبمواكبة كمٍّ هائل من السيناريوهات المتضاربة، خرج رئيس الولايات المتحدة (دونالد ترامب آنذاك) بتصريح يتوسّل السبق والتفاخر، وفق "ستايل" هذا الرئيس، كاشفاً أن جنرالات أميركيين أخبروه أن الانفجار حصل نتيجة اعتداء "خارجي". وعلى الرغم من أن تقارير (حتى إسرائيلية) لم تستبعد احتمال أن يكون هجوما إسرائيليا أصاب هدفاً دون أن يكون القصد التدمير الذي أصاب مدينة بيروت، إلا أن ترامب وجنرالاته كما عواصم العالم أغرقت هذه الفرضية بأطنان أخرى من الغموض.

ورغم توافد مجموعات تحقيق أجنبية إلى ميدان الكارثة، لا سيما أميركية وفرنسية وألمانية وغيرها، لم تخرج التحقيقات الرسمية، بما فيها تلك اللبنانية المتعددة، بما يرجّح فرضية الاعتداء الخارجي (الإسرائيلي ضمنا). والأغرب من ذلك أن حزب الله نفسه، والذي لطالما حمّل إسرائيل المسؤولية عن أي صغيرة وكبيرة، لم يتهم إسرائيل بالأمر، ولم تلمح منابره غير المباشرة وضيوف الفضائيات الذين يدورون في أجوائه بهذا الاحتمال. وحتى من تسرّع من تيار "الممانعة" في إلصاق الكارثة بإسرائيل، لم يكرر هذا الاتهام، وكأن في حوافز الصمت وحيّ يوحى.

وعلى هذا فإن الغموض المتصاعد في عدم الكشف، حتى دوليا، عن الحقيقة الدقيقة الرسمية لحكاية شحنة نيترات الامونيوم من منبعها في جورجيا إلى مصبّها الطارئ في مرفأ بيروت عام 2013 (كانت الوجهة الأصلية صوب موزنبيق)، يشبه ذلك الغموض اللبناني والدولي في عدم الكشف عن حقيقة مسبب الكارثة الحقيقي. وكأن هناك ثقبا أسودَ في الحقيقتين يستوجب الصمت الرهيب. وهو أمر حال دون "التحقيق الدولي" الذي يطالب به ضحايا الكارثة في بيروت، وحجب الأقمار الاصطناعية الدولية كلها عما حدث فعلا في ذلك اليوم الرهيب.

وقد تنضم جريمة مرفأ بيروت إلى جرائم كبرى في لبنان والعالم لم تصل إليها الحقيقة، ولن تصل. ولئن يخدم كتمان الحقائق مصالح بلدان، وقد يحمي استقرارها، ويسهّل انتقالها إلى السلم والاستقرار عبر طيّ الصفحة المعتمة لفتح صفحات النور، فإن في تغييب الحقيقة عن محاولة اغتيال مدينة عريقة في تاريخ وحضارة البحر الأبيض المتوسط، لا يتواكب مع تحوّلً لمصلحة لبنان وعاصمته، بل يتصاحب مع تدمير منهجي وفتك خبيث يدفع باضطراد إلى اختفاء البلد، وفق ما يكرر ويحذر وزير خارجية فرنسا جان ايف لو دريان.

قبل عام نشرت مجلة "دير شبيغل" الألمانية تحقيقا ألمانيا يكشف أن مالك السفينة "روسوس" التي حملت أطنان الموت، يدعى شارالامبوس مانولي، وهو رجل أعمال قبرصي، وليس الروسي إيغور غريتشوشكين كما كان يعتقد في السابق. ووفقا للتحقيق فقد حافظ مانولي على علاقة مع بنك مرتبط بحزب الله، يدعى "إف بي إم إي" التنزاني، والذي اكتشف محققون أميركيون في وقت سابق أن لديه تاريخ في عمليات غسيل أموال لصالح حزب الله. أشارت تلك التحقيقات أيضا إلى أن شركة واجهة سورية يشتبه أنها على صلة ببرنامج الأسلحة الكيمياوية لنظام الأسد كانت أحد عملاء هذا البنك. وبغض النظر عن دقة هذه التحقيقات التي لم تكن بعيدة عن روايات لاحقة تم تداولها خلال هذا العام، إلا أن الأمر لم يدخل في ديباجات نصوص العقوبات الأميركية المفروضة على حزب الله ودمشق.

يكتفي تقرير الـ FBI الذي صدر في 7 اكتوبر 2020 (وبثت رويتر تقريرا عنه قبل أيام) بالكشف عن أن ما انفجر في ذلك العنبر هو 20 بالمئة فقط، أي حوالي 552 طنا فقط، بما أبقى على المدينة ولم يحوّلها إلى رماد. صحيح أن التقرير تقني يُقدم بالأدوات الجنائية رواية عما جرى، إلا أن الإدارة السياسية الأميركية من وراء جهد شرطتها الفيدرالية، ومنذ ترامب حتى بايدن، لا تبدو معنية بالانخراط في ورشة دولية جدية لمعرفة ما وراء وضع أطنان الموت في المرفأ، وأي دول وجهات وجماعات متورطة بالأمر، كما معرفة وتقفي أثر الـ 80 بالمئة من المتفجرات التي تسرّبت من عنبرها في المرفأ من أجل استخدامات دمار أخرى.

وتساهم التحقيقات الحالية في لبنان في صبّ مزيد من الغموض حول المسبب الأول للجريمة. يقدم قاضي التحقيق العدلي الحالي طارق بيطار رواية متقدمة ولافتة، لكنها تدور حول مسؤولية المقصرين، وهو تقصير جرمي دون شك، لكنه يطال من سكتوا، تغافلا او تواطؤا، عن المجرم الذي لا تقترب منه التحقيقات. في ذلك ما قاله رئيس تيار المردة سليمان فرنجية المتحالف مع حزب الله من أن ثمة "ضغطاً كبيراً على المحقق العدلي. أتحداه بأن يقول من أتى بالنيترات ومن سحب منها".

يظل التوجّس ثقيلا من تغييب الحقيقة الأصل لصالح حقائق فرعية، ويظل التحقيقي العدلي اللبناني، مهما كان مهنيا، مخصّباً بشبهات، تُكال له اتهامات التسييس، من حيث أنه يطال شخصيات ويغفل أخرى. والأرجح أن من يريد في العالم حجب الحقيقة عما جرى في 4 أغسطس من العام الماضي سيشجع ويبارك انخراط التحقيق المحلي في تمرين لبناني، هو الأكثر جدارة في طمس أي حقائق وإغراقها في حسابات المصالح والطوائف وشبكاتهما.

والحقيقة الأولى والأخيرة أن هناك مجرماً أدخل نيترات الأمونيوم وخزّنها في العنبر رقم 12 في مرفأ بيروت، ومجرماً استهدف مخزون المجرم الأول، فدمّر المجرمان عاصمة لبنان. ويكاد غموض قاتل يتواطأ في العالم لكتم سرّهما.