توقف المراقبون عند بيانين صدرا عن وزارة الدفاع الروسية يُشتم منهما تبرماً من الغارات الأخيرة التي شنّتها إسرائيل على أهداف في سوريا، وبالتالي تبدلاً محتملا في قواعد اللعبة. توقفوا أيضا عند مزاج كشف عنه ضيوف الفضائيات ومقالة، نشرتها منابر الإعلام في روسيا، توجّه انتقادات واضحة ومباشرة للخطاب الذي ألقاه الرئيس السوري بشار الأسد بمناسبة تنصيبه رئيسا لولاية رابعة.

وفيما قد يفهم من البيانين الروسيين، اللذين يعلنان دخول منظومات دفاع روسية لرد الغارات الإسرائيلية، عتب موسكو على الطاقم السياسي الجديد الحاكم في إسرائيل، فإن لرسائل المنابر الروسية المنتقد للأسد وجهات متعددة ليس بالضرورة أنها موجهة بشكل أولوي إلى النظام في دمشق.

قد لا ننتظر كثيرا لنتبين ما الذي دار في قمّة الرئيسين، بوتين وبايدن في جنيف في 16 يونيو الماضي. ولئن تمثّل "الوفاق" بموافقة موسكو على حل وسط يستجيب لمطالب واشنطن بفتح معبر باب الهوى لإدخال المساعدات الإنسانية (كانت واشنطن تطالب بفتح ثلاث معابر)، إلا أن المفاجأة الحقيقة هي أن مجلس الأمن الذي صوّت بالاجماع في 9 يوليو الجاري، وافق على مشروع قرار أميركي روسي "مشترك" هذه المرة، وليس على مشاريع قرارات تقدمها دول وسيطة.

وما هو "مشترك" قد يفضح تحوّلا أُنجز في جنيف في قضايا عديدة، بما فيها سوريا، استوجب المبالغة في الاحتفال لما صدر بمناسبة "باب الهوى" من مندوبي روسيا وأميركا في مجلس الأمن. بيد أن جنيف أسّس أيضا لخريطة طريق سيعتمدها بوتين لإعادة تعويم الملف السوري دولياً وفق قواعد "الحصاد" الذي تأمله موسكو في الحقول السورية الواعدة.

من الخطأ قراءة ما صدر عن منابر روسيا ضد خطاب الأسد بصفتها تحولا له ما بعده في علاقات موسكو مع دمشق. تملك روسيا في سوريا من القوة والنفوذ ما عبّرت عنه زيارات بوتين المثيرة للجدل لسوريا وما تركته من انطباع استعلائي على النظام وزعيمه. ولا تحتاج موسكو، بهذا المعنى، إلى توصيل رسائل الغضب والعتب والامتعاض إلى دمشق عن طريق مقال حمّال أوجه. وعلى هذا فإن للمقاصد المفخخة وجهات أخرى.

لم يخض الرئيس الروسي "مغامرته" السورية إلا بعد تمتين علاقات بلاده بإسرائيل. فحين اتُّهم النظام السوري باستخدام الأسلحة الكيماوية في غوطة دمشق الشرقية في أغسطس 2013، ارتفع مستوى القلق في إسرائيل من مغبة ما يشكّلة إسقاط دمشق لهذا المحرّم على أمن إسرائيل. ولا شكّ أن هذا القلق الإسرائيلي، وليس التباكي على الضحايا السوريين للهجوم الكيماوي، هو ما أثار غضب إدارة باراك أوباما والتهديد بالتحرك العسكري. في ذلك الوقت تحرّكت موسكو متعهدة بالاشراف على تسليم النظام السوري لترسانته الكيمياوية، فضمنت بذلك اعتراف واشنطن بكفاءاتها في سوريا وقدمت نفسها في الوقت عينه ضامنا صادقاً لأمن إسرائيل. وفق ذلك المعطى مُنحت روسيا ضوءا أخضر للمضي قدماً، ابتداء من سبتمبر 2015، في تطوير أدائها السوري ومنحة بركة إسرائيلية غربية.

صادقت منابر روسيا على رواية تحدثت عن زيارات قام بها عام 2015 (ابتداء من فبراير) قائد فيلق القدس، الجنرال قاسم سليماني آنذاك، إلى روسيا وإطلاعه القيادة هناك على وضع الانهيار الخطير الذي يهدد بقاء النظام في سوريا. وروّجت "مقالات" روسية لطلب ملحّ قدمه الجنرال الإيراني لتدخل روسي لانقاذ النظام من الزوال. لم يكن في الأمر رسائل مبطنة فقط، بل إن لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لاحقاً جملة شهيرة أطلقها في يناير من عام 2017 قال فيها إنه "لولا روسيا لسقطت دمشق". ولم يقرر بوتين إطلاق عملية إنقاذ النظام في دمشق، إلا بعد أن وفّر نظيره أوباما له بركة واشنطن ودعما غربيا لا لبس فيه.

في موسم الحصاد، يضرب بوتين على الطاولة ليذكّر أنه صاحب الأمر في مصير سوريا ومستقبلها. نهل الرئيس الروسي من قمّته مع الرئيس الأميركي في جنيف مزيدا من "الشرعية" لدور بلاده وصلاحية مهامها في سوريا. وفيما للصراع الروسي مع المنظومة الغربية آليات وقواعد تكاد تكون كلاسيكية تعرف موسكو مقاربتها والتعامل معها، فإن موسكو تحتاج في سوريا لتأكيد مكانتها القيادية التي لا تتحمل التشويش والمنافسة أو الخروج عن الرادار الجيوستراتيجي للكرملين.

قد لا تختلف البيانات الروسية الجديدة المنتقد لغارات إسرائيل عن مواقف صدرت عن موسكو، وبلهجات أشد قسوة في الماضي (خصوصا إثر سقوط طائرة روسية قبالة اللاذقية في 17 سبتمبر 2018). غير أن الكرملين يتوجه هذه المرة إلى القيادة الإسرائيلية التي قلبت حكم بنيامين نتنياهو "الصديق الشخصي" للرئيس بوتين، وفق الوصف الذي كان معتمدا في الإعلام الروسي. وفي تلك الرواية الروسية كما في بيانات موسكو العاتبة ما يفهم منه أن على هذه القيادة الإسرائيلية المترجلة إعادة طلب تحديث لهذه التفاهمات وفق قواعد "جنيف" ووفق تبدل شروط العلاقة الأميركية الإسرائيلية التي اختلفت عما كانت عليه في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.

بالمقابل فإن المنابر الروسية المنتقدين لخطاب الأسد (خصوصا لجهة تنكّره لوجود معارضة ورفضه تغيير الدستور)، تتوجه بالحقيقة نحو واشنطن وحلفائها في أوروبا، للتعبير عن عدم رضى موسكو عن دمشق (كما حال هذا الغرب)، والوعد بالسعي (وهذه المرة بالتعاون مع الصين) لسوْق نظام دمشق ليتماشى مع القرار الأممي 2254 المعتمد بالاجماع (موسكو وبكين ضمنا). والرسائل واضحة أيضاً ضد المضمون الإيراني في خطاب الأسد، بما يعيد التأكيد على أن دمشق ليست من ضمن العواصم الأربع الساقطة في يد طهران، وأنه من غير المسموح روسياً أن تكون سوريا، كما هو حال العراق ولبنان واليمن، من ضمن الأوراق الإيرانية (التي قد تلوح في كلمات الأسد) المستخدمة على طاولات المواجهة والتفاوض مع العالم.

لا تخطط موسكو لأي ابتعاد أو مواجهة مع كافة المنخرطين في الصراع الروسي. تملك روسيا القدرة على ملاعبة أجندات الحلفاء وإدارة الصراع مع مصالح الخصوم. وما يصدر عن روسيا من مزاج ورسائل يعيد تذكير من يهمه الأمر أن موسكو هي العنوان الوحيد المعتمد دولياً لمسار سوريا ومصيرها، سواء كانت مقاربات الأمرين بالحرب أو بالسلم.