رغم الصدى الدولي لانفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس الماضي، واعتباره واحدا من الويلات العالمية التي تضرب عاصمة على البحر المتوسط، إلا أن لبنان لم يكن أولوية سياسية داهمة على الأجندات الدولية. وحتى التحرك اللافت للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بقي فرنسياً في حساباته، لم ينسحب على جدول أعمال الاتحاد الأوروبي، والتزم بحدود الممكن والممنوع في المشهد الدولي العام.

لبنان فرع سيتأثر حكماً بأصل إقليمي بجري بصعوبة الاهتداء إلى ملامحه. ولبنان أيضا هو ضرورة للأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالتحولات المقبلة، وهو ما يفسّر، ربما، تقاطع تلك الأطراف على المحافظة على حدّ أدنى إنقاذي يحول دون موت البلد و "اختفائه"، وفق نبوءات وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان.

حرّك لقاء الرئيسين الروسي، فلاديمير بوتين، والأميركي، جو بايدن في جنيف (16 يونيو) بعض الأوراق التي من شأنها أن تنفخ نسمات عابرة على أزمة لبنان.

لا يجب إغفال الاهتمام المفاجئ لوزير الخارجية الأميركي انتوني بلينكن في تناول ملف لبنان، بالذات. ظهر الأمر في اللقاء الذي جمعه ونظيره الفرنسي في باريس (25 يونيو)، وتبشير لودريان إثر ذلك بعمل فرنسي أميركي مشترك حيال لبنان. أكد الأمر على رعاية أميركية للمبادرة الفرنسية على نحو يختلف عن السلوك الأميركي إبان عهد الرئيس السابق دونالد ترامب.

وحري التوقف عند اللقاء الذي جمع الوزيرين، الفرنسي والأميركي، مع نظيرهما وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان (29 يونيو على هامش اجتماع وزراء خارجية مجموعة العشرين في ماتيرا الإيطالية) لبحث الملف اللبناني، بالذات.

وحري تأمل لقاء الوزير الأميركي قبل ذلك مع البابا فرنسيس في الفاتيكان (28 يونيو) قبل أيام من اجتماع الأخير مع قادة الكنائس المسيحية في لبنان.

وحري تأمل لفتة الفاتيكان اللبنانية وما يمكن البناء عليه دوليا في ظل العلاقة الشخصية والكاثوليكية الخاصة التي تجمع البابا بالرئيس الأميركي جو بايدن.

وما يظهر حتى الآن، وفي ظل التكتم الذي اتّسمت به لقاءات بلينكن "اللبنانية"، أن خطة الطريق، سواء في الورشة الفرنسية، أو المواكبة الأميركية، أو الاهتمام الدولي بمساعدة الجيش اللبناني، أو حتى تلويح روسيا باستثماراتها، أو بالعودة المفاجئة للباخرتين التركيتين لتزويد لبنان بالكهرباء، تستهدف منع الانهيار الكامل بانتظار نضوج موازين قوى بامكانها رسم التسوية السياسية اللبنانية المتّسقة مع شكل التحولات الإقليمية العتيدة.

على أن هذا المنحى يترافق مع سلسلة تدابير داخلية تواكب القرار الدولي بعدم سقوط لبنان. فالتلويح بعقوبات فرنسية (وربما أوروبية) على شخصيات سياسية لبنانية، والتلويح بعقوبات أميركية جديدة على حزب الله بالتوازي مع بداية تحرك داخل الكونغرس لـ "نزع سلاح حزب الله"، يتقاطع مع تطورات داخلية لبنانية منها:

-مفاجأة المحقق العدلي طارق بيطار بقضية كارثة مرفأ بيروت باستدعاء والادعاء على شخصيات سياسية وأمنية وعسكرية في هذا الملف، على نحو يؤكد ويكمّل قرارات سلفه فادي صوّان من جهة، وقد يتناغم مع مزاج دولي ينفخ باتجاه اسقاط خطوط حمر من جهة ثانية.

-صدور إجراءات مالية ملتبسة للتخفيف من الأزمات المعيشية (أبرزها أزمة البنزين) والإفراج الجزئي الموعود عن أموال المودعين في المصارف اللبنانية وفق خريطة المصرف المركزي التي كان أعلن عنها حاكم المصرف، المثير للجدل، رياض سلامة.

-ظهور "هبة" مفاجئة من 500 ألف يورو قدمها "متبرعون" لحكومة حسان دياب لتسديد حصة لبنان في تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.

على أن التحركات القضائية ستصطدم حكماً بالنظام السياسي اللبناني. فهذه المنظومة قادرة على "الترحيب" البرغماتي بقرارات المحقق العدلي، وخنقها في نفس الوقت بحسابات الطوائف والمصالح. وأي تطور قضائي وإداري يأخد بعين الاعتبار هيمنة حزب الله على المنظومات السياسية والأمنية والمالية اللبنانية بمستويات لا يمكن معها تسييل أي تدابير وقرارات إلا وفق الدفق الذي تتيحه مصالح الحزب المحلية وأجندة طهران الإقليمية الدولية من خلفه. وعلى ذلك فإن المداولات المعقّدة في فيينا لانتاج اتفاق يعيد انعاش الاتفاق النووي مع إيران تلقي بظلال مباشرة وثقيلة على اليوميات اللبنانية.

وعلى هذا، وإذا لم تحصل مفاجآت طارئة، فإن الدائرتين، المحلية والخارجية، باتتا تعوّلان على الانتخابات النيابية المقبلة (2022) لإنتاج سلطة جديدة قد تنجح في تشكيل حكومة تستجيب لمتطلبات العواصم والمؤسسات المالية الدولية.

وفيما باتت الجهات الدولية تستخدم تعبير "حكومة مهمة" (لا يقودها سعد الحريري)، فإن حقيقة تلك المهمة تتركز، إضافة إلى ملاقاة الخارج في خطته الانقاذية لمنع الانهيار الكامل (بانخراط فرنسي أميركي سعودي)، هي تنظيم الانتخابات التشريعية المقبلة العام المقبل لـ "حاجة النظام السياسي إلى شرعية جديدة"، وفق سفير الاتحاد الأوروبي في لبنان رالف طراف.

صحيح أن جهات سياسية لبنانية تعوّل على تلك الانتخابات والدعوة لأن تكون مبكرة، إلا أن عدم جهوزية حد أدنى من التسويات في ملفات المنطقة (لا سيما سوريا وإيران) قد يفرّغ تلك الانتخابات من أي ثمار مأمولة يسهل تعطيلها بقوة من يملك السلاح ويفرض أمره الواقع.

ما يمكن التسليم به هو أن دينامية خارجية قد بدأت تنشط بحيوية تهدف، من خلال سلسلة من القرارات والضغوط وسياسات العصا والجزرة، إلى تحضير لبنان، حتى من خلال ديناميات داخلية (قضائية ومالية وسياسية) لملاقاة قواعد لعبة جديدة قد يحملها دخان أبيض يخرج من فيينا أو تفاهم روسي أميركي على رسم الخرائط السورية.