ينطوي غمز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من قناة صحة الرئيس الأميركي جو بايدن كما دعوته لحوار مفتوح معه عبر الإنترنت، إلى واقع الزعامة التي باتت روسيا تتبوأها في العالم بما لا يقارن مع ما كانت عليه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وفي السنوات التي انتهت برحيل بوريس يلتسين عن السلطة.

بات البلد قطبا مهدِّداً يتفق الأميركيون والأوروبيون على حقيقة أخطاره. وباتت موسكو تتعامل مع التهديدات الغربية، في الظاهر على الأقل، بالطريقة التهكمية التي ردّ فيها بوتين على موافقة نظيره الأميركي على وصفه بالقاتل.

وفيما تهيمن الولايات المتحدة تاريخيا على شؤون الشرق الأوسط، بما في ذلك لدى البلدان التي تحسب على التحالف مع موسكو منذ الحرب الباردة، فإن روسيا بقيادة بوتين تُحسن اللعب داخل هذا الميدان الأميركي دون أي طموح بإزاحة الولايات المتحدة أو تهميش حضورها. وربما قد نكتشف يوما أن كل الحراك الروسي في المنطقة جرى داخل الهامش الذي تسمح به واشنطن وربما برعايتها.

والحال أن تحرك روسيا الكبير في سوريا، كما انخراطها الضبابي في ليبيا، كما توقها لتطوير علاقاتها مع دول المنطقة، لا سيما في الخليج، كما سعيها للعب دور متقدم في لبنان، يجري وفق حسابات دقيقة، تهدف إلى تعظيم بذور فلاحتها في الشرق الأوسط، قبل أن تنضج مواسم الحصاد، حين سيضطر الرئيس الأميركي للجلوس مع "القاتل" في موسكو لرسم خريطة المصالح المشتركة في كل المنطقة.

وفق ذلك السياق تطل روسيا في السنوات الأخيرة على الشأن اللبناني، ذلك أنها تفترض أن "الوكالة" الغربية الممنوحة لها في سوريا منذ عام 2015، يمكن أن تمتد صلاحيتها نحو لبنان. وإذا ما كانت المبادرة الفرنسية لحل أزمة هذا البلد تميل إلى الفشل، وتغيب سياسة أميركية واضحة تجاهه، وتشتد هيمنة إيران عليه، فإن موسكو تمتلك، من خلال خبراتها السورية وعقائدها السياسة ما يمكن أن يوفر لها مكانا ومكانة إلى جانب أو على حساب ما يمتلكه الآخرون في لبنان.

وفيما استثمر الأميركيون جهودا لافتة (عير ناجحة حتى الآن) لإيجاد تسوية تنهي النزاع الإسرائيلي اللبناني حول الحدود البحرية والبرية بين البلدين، فإن روسيا، التي لم يسجل لها دور ما في حلحلة هذا الملف، استطاعت ولوج سوق الطاقة الواعد في المياه اللبنانية (2017) من خلال شركة نوفاتيك (إلى جانب "إيني" الإيطالية و "توتال" الفرنسية)، فيما تمكنت شركة "روسنفيت" من الحصول على عقد لتشغيل منشآت النفط في طرابلس في الشمال (2019).

بيد أن الطموح الروسي يتجاوز مسألة الحصص في مجال الطاقة في لبنان، ليتسق مع السياق الطبيعي لأية تسوية سياسية تعمل عليها موسكو لإنهاء الحرب في سوريا. ولئن ما زالت روسيا عاجزة عن إقناع العالم بسيناريوهاتها السورية، إلا أن هذا العالم غائب تماما عن تقديم البدائل، بما يعني حكماً أن لا بديل عن "الحل الروسي" وإن باتت العواصم الكبرى تطالبه بقواعد وأطر وشروط لقبوله.

تمتلك موسكو السوفياتية قديما والبوتينية حديثا موطأ قدم عريق في لبنان. لروسيا نفوذ وعلاقات عتيقة مع شخصيات وتيارات، لكنها تتمسك بمقاربة حذرة تراعي الحساسيات في هذا البلد، فتبقى على مسافة موضوعية واحدة من الجميع. فإذا ما كانت موسكو تراهن على مزاحمة العواصم الإقليمية والدولية الدور والنفوذ، فإنها تحسب خطواتها بدقة داخل المشهد البيتي المعقد كما داخل خرائط المصالح العليا لروسيا في المنطقة والعالم.

ورث رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري علاقة متقدمة مع بوتين من والده الراحل. والواضح أن موسكو حرصت على الحفاظ على علاقة مميزة مع الحريري الابن على الرغم من علاقات الأخير المتقدمة (كما والده) مع أوروبا (فرنسا خصوصا) والولايات المتحدة. وتدعم موسكو حاليا، على ما عبر وزير الخارجية سيرغي لافروف، سعي الرئيس المكلف لتشكيل "حكومة مهمة قادرة من التكنوقراط"، بما فهم أنه دعم روسي واضح لمبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

سبق أن نقلت التسريبات هذا الموقف عن الموفد الشخصي للرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط ودول أفريقيا، نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف.

تلاقي موسكو باريس في لبنان. تدعم المبادرة الفرنسية، وتطمح إلى وقف الانهيار اللبناني، لما لذلك من أضرار مباشرة على مصالحها في سوريا. تود موسكو أن تجعل من لبنان ميدان تقاطع مع أوروبا لعل في ذلك التمرين ما يجذب الأوروبيين لاحقا للانخراط داخل الورشة الروسية في سوريا. وإذا ما كانت مبادرة باريس وصلت إلى مأزق، لدرجة أن يهدد ماكرون بـ"نهج جديد"، فإن روسيا تتبرع في السعي لدى حزب الله لعله يقدم -في مسألة تسهيل تشكيل الحكومة العتيدة- لموسكو ما لم يقدمه لباريس.

والحال أن استقبال موسكو لوفد من حزب الله يعبر في المظهر عن حيوية روسية في عزّ الأزمة الحكومية اللبنانية. في الشكل أتى الحدث متزامنا مع وجود وزير الدفاع الإسرائيلي غابي أشكنازي هناك، وبعد أيام على جولة لافروف الخليجية ولقائه في أبوظبي بالحريري، بما قد يعبر لعواصم قريبة وبعيدة عن قدرة روسيا على الإمساك بمفاتيح الربط والحل في الشؤون المرتبطة بنفوذ إيران وأخطارها في سوريا ولبنان.

هذا في الشكل. لكن في المضمون، فإن موسكو استقبلت وفد حزب الله وهي تعرف أن قراره في طهران. تعرف أيضا أن إيران لن تسلم أي ورقة في لبنان، حتى لحليفها الروسي، دون أن تظهر علامات الانفراج داخل ملف الأزمات مع واشنطن والغرب.

لو كان لبنان أولوية داهمة بالنسبة إلى روسيا لكان موضوع الضغط على حزب الله قد تم من خلال طهران، وربما على أعلى المستويات. ما زالت إيران ضرورة استراتيجية لروسيا في عالم يصف فيه بايدن بوتين بالقاتل. ما زالت إيران (وحزبها اللبناني) في حلف واحد مع روسيا داخل الورشة السورية، ولا مجال لتفكك هذا الحلف طالما أن الأوروبيين والأميركيين لا يقبلون بالنسخة الروسية للحل السوري.

ولئن تهتم موسكو بتعظيم مصالحها في لبنان لكن على أن يتم ذلك وفق عناوينها في سوريا. طهران تدرك هذا الواقع جيدا.

بعد ساعات على لقاءات وفد حزب الله مع المسؤولين الروس في موسكو، خرج الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله من لبنان يقلب الطاولات، يتأمر على مؤسسات البلد الأمنية والمالية، وينهي الرئيس المكلف عن المغامرة في حكومة مستقلة يتوقع فشلها، وينصح بـ "الأكتاف" السياسية، ويحذر من حرب أهلية، ويعد بـ "عدم اللجوء إلى السلاح!".

قد لا يكون دقيقا أن حزب الله سمع شيئا لا يرضيه في موسكو، بيد أن إيران أعادت تذكير، الحليف قبل الخصم، أن أمر لبنان ليس في باريس وواشنطن ولا حتى في موسكو...  بل "الأمر لي". تبتسم موسكو ولسان حالها يقول للعالم: "إنني أسعى"، ولكم أن تقرروا معي من سوريا حدود هذا السعي وثماره".