يدخل قانون "قيصر " الأميركي حيز التنفيذ في 17 يونيو بعد ستة أشهر على توقيعه في ديسمبر الماضي من قبل الرئيس دونالد ترامب. أصدرت "أميركا" هذا القانون بموافقة الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بما يؤشر إلى أن الأمر ليس نزقا أو مزاجا، بل يقدم واجهة جادة وجديدة لتعامل السياسة الخارجية الأميركية مع ملف سوريا.

ابتداء من سريان العمل بهذا القانون ستفرض الولايات المتحدة عقوبات على أي جهات (مؤسسات، شركات أو أشخاص) تساهم بشكل مباشر أو غير مباشر بتمويل النظام ودعم عملياته العسكرية. وفي روحية "قيصر" الذي يعاقب نظام دمشق، تصويب مركز على الأطراف الأجنبية المتورطة بدعم النظام برئاسة بشار الأسد، لا سيما الدول التي تضخ المساعدة لدمشق أو تلك التي تخطط للاستثمار في سوريا.

صدور "قيصر" وتوقيت دخوله حيز التنفيذ هو قرار سياسي بامتياز. لم تعوز الولايات المتحدة الحجة منذ اندلاع الأزمة في سوريا عام 2011 لاتخاذ موقف متشدد من النظام في دمشق، ذلك أن التقارير والمعطيات التي كان يرسلها السفير الأميركي في سوريا آنذاك، روبرت فورد، كما توجهه مع سفراء لندن وباريس لملاقاة المتظاهرين في مدينة حماة في يوليو 2011، كان يعكس اطلاعا أميركيا غربيا كاملا على حقيقة الأوضاع في سوريا.

ومع ذلك انسحبت إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما من أي تورط في سوريا، واسقطت خطوطا حمر كانت رفعتها في حال استخدام دمشق للأسلحة المحرمة، وأنِستْ لوساطة روسيا أولا ثم تدخلها العسكري ثانيا، واكتفت بتفاهمات الثنائي سيرغي لافروف-جون كيري. وحتى حين دخل دونالد ترامب البيت الأبيض، فإنه تبنى سياسة منكفئة عن الشأن السوري، وظهر أن القصف الصاروخي الأميركي الذي استهدف عقابيا مواقع للنظام السوري (الشعيرات، دمشق، حمص) كان من قبيل رفع العتب، ولم يكن مهددا للقوة العسكرية لدمشق.

على هذا فإن واشنطن قررت في هذا التوقيت بالذات، وبمناسبة الصور التي حملها الجندي المنشق "قيصر" حول التعذيب في سوريا، الانقلاب على سياستها السورية السابقة وتقديم أعراض سياسة جديدة. من تلك الأعراض أن مفتاح أي تسوية في سوريا بات في يد واشنطن وليس في يد موسكو، وأن غضّ الطرف الذي مارسته واشنطن وحلفاؤها عن المقاربة العسكرية الروسية في سوريا، لن ينسحب على التسوية السياسية التي تسعى موسكو لإنجازها وفق أجندة الكرملين وحدها. قانون "قيصر" يطيح بأي آمال لضخ أموال من المجتمع الدولي من أجل إعادة الإعمار في سوريا -على ما تنشد موسكو- دون تحقيق تسوية سياسية متوازنة شاملة تكون المعارضة جزءا منها.

لا يريد "قيصر" الخارج من أفران الكونغرس إسقاط نظام دمشق، أو هكذا توحي سطوره. وليس صدفة أن يخرج المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، جيمس جيفري، للتحدث عشية دخول القانون الأميركي حيز التنفيذ، ليتحدث عن عرض قدمته واشنطن للأسد لوقف انهيار أزمة النظام. لم يفصح جيفري عن تفاصيل العرض لكن مصادر دبلوماسية مواكبة للشأن السوري كشفت أن العرض يقضي بالذهاب إلى الحل السياسي لتطبيق قرار مجلس الأمن رقم 2254 وإنجاز دستور جديد وإجراء انتخابات تحت إشراف أممي بعد تحقيق البيئة الآمنة والمحايدة، والقبول بالقرارات الدولية.
لا تريد واشنطن إسقاط الأسد لكن عرض جيفري يدفع باتجاه ذلك. فما حققته قوات النظام السوري مدعومة من روسيا وميليشيات إيران التابعة يهدف إلى تعويم النظام وفرض رؤيته، وهذا ما تسعى موسكو إليه، من خلال الاشتغال على تسوية دستورية تعيد تلميع نظام دمشق وجعله يحظى بقبول الدوائر العربية والدولية لبقائه.

ولا يتحدث جيفري و"قيصر" مع نظام دمشق، بل يتوجه مباشرة لروسيا، فارضا شروطا أميركية لطالما كانت غائبة ستكون الرقم الأول والصعب للإفراج عن أية تسوية نهائية. ولا يستهدف قانون العقوبات الأميركي الجديد النظام السوري فقط، بل يسعى إلى تفكيك منظومة الدعم السياسي والاقتصادي المعقدة، سواء تلك الممتدة من عواصم (منها حليفة لواشنطن) بعيدة، أو تلك المتسربة من دول الجوار. بكلمة أخرى يتعامل قيصر مع الورش التي تجتهد لترتيب مناطق النفوذ المحاذية المتأثرة بنفوذ طهران (العراق ولبنان)، ويحمل جرعات تصويبية -وربما تكون مساعدة- للمقاربة الروسية لسوريا والتي لا يبدو أن تلك الأميركية تروم أن تكون بديلاً عنها.

كشفت أزمة الدولار المندلعة منذ شهور في لبنان ما لأمر كهذا من تداعيات قاتلة لاقتصاد سوريا، وكشف هلع حلفاء دمشق بزعامة حزب الله من ذلك "القيصر" حقيقة ما تحمله واشنطن في جعبتها من ذخيرة قانونية سيقلب تفجيرها موازين القوى في سوريا والدول المحاذية.

——

محمد قواص كاتب وباحث لبناني