أيقظت تيارات سياسية رئيسية في لبنان معارضة كانت في سبات ضد حكومة حسان دياب. يتصدر المشهد رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، وليد جنبلاط. شنّ الزعيم الدرزي هجوماً موجعا ولافتا في حيثياته وتوقيته ضد دياب وحكومته.

 بيد أن الجديد هو ما يروج عن حركة تنسيق تجري بين جنبلاط وزعيم حزب القوات اللبنانية، سمير جعجع، كما مع زعيم تيار المستقبل، سعد الحريري. وفي ذلك ما يتسرّب عن تحالف يعاد تشكيله بصعوبة، يشبه ذلك الذي وجد واجهته في "لقاء البريستول" عام 2004 والذي أسس لتحالف "14 آذار" بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005.

وللتوقيت دلالات. لم يُقابَل حسان دياب بمعارضة كبرى حين كلف تشكيل الحكومة. بقيت القوى السياسية متعايشة مع ما يصدر عن تلك الحكومة، إلى درجة أن جدلا دار داخل حزب القوات اللبنانية حول إمكانية التوقف عن توجيه أي انتقاد للحكومة، وحتى تأييدها ودعم إجراءاتها المتعلقة بمواجهة فيروس كورونا.

غير أن انقلاب المزاج التعايشي الذي يعبر عنه الثلاثي جنبلاط-الحريري-جعجع يكشف عن لحظة سياسية، قد تتجاوز بعدها المحلي إلى ما هو إقليمي دولي. والظاهر أن تطورا ما بات يتطلب إزاحة "الاستثناء" الذي شكلته حكومة دياب، والعودة إلى تقاليد النظام السياسي اللبناني كما العودة إلى لاعبيه الكبار، بحيث يخرجون من الهامش والظل ويتصدرون متن العمل السياسي بلا تحفظ.

ينال خطاب المعارضين من حكومة دياب بصفتها فشلت فشلا كبيرا في تحقيق الحد الأدنى من الأهداف التي "أخترعت" هذه الحكومة المسماة تكنوقراطية من أجل تحقيقها. واستفز المعارضين ما تسعى إليه الحكومة من مسّ بتقاليد النظام السياسي للبلد وتجاوز لمكونات سياسية وطائفية ميثاقية هي من أس أبجديات الديمقراطية التوافقية في لبنان.

وإذا ما كانت الانتقادات لدياب تغمز من قناة تلاعبه بثوابت دستور الطائف، فإن شكل المعارضة وشخوصها ومضامين ما صدر عنها يستهدف العونية السياسية التي يقف الوزير السابق، رئيس التيار الوطني الحر، جبران باسيل وراء هندستها.

وتتقاطع مصالح التيارات السياسية الثلاث مع ما يعبّر عنه رئيس مجلس النواب، زعيم حركة أمل وحليف حزب الله، نبيه بري، من انتقاد للحكومة وإجراءاتها وخطتها الاقتصادية، ومن خلاف بات علنيا مع رئيسها. وفيما يتمسك حزب الله بموقع الحَكَم بين مكونات القوى السياسية الحليفة التي تتشكل "حكومة المستقلين" منها، فإن الحزب بات من خلال هذا الموقع وهذه الاستراتيجية غير ممسك بـ "حكومته"، مكتفيا بتدوير الزوايا وتنظيم الخلاف بين أجندات من يفترض أنهم "اللون الواحد" المتحالف مع تيار الممانعة بقيادة طهران في المنطقة.

لم يستخدم خطاب المعارضين الكبار (المتقاطعين مع بري) أي خطاب معاد لحزب الله. توحي المعارضة أنها تناور داخل منطقة لا تمسّ الحزب ومصالحه، لا بل إنها توحي بأن حكومة دياب تفصيل طارئ يمكن إزالته للعودة إلى ملعب السياسة الكبير، حيث للحزب حصة الأسد في تقاسم السلطة والقرار في البلد.

وقد لا يكون مستبعداً أن توقيت الحملة ضد الحكومة -التي قوبلت برد من رئيس الجمهورية ميشال عون ومن دياب نفسه- لا يتناقض مع مواقيت حزب الله نفسه وربما بالتواطؤ الكامل معه. ففي فلسفة الحزب أنه، للمفارقة، يفقد رشاقته بين الحلفاء، ويجيد اللعب مع الخصوم والتلاعب مع حساباتهم. لم يتحدث المعارضون عن مسؤولية حزب الله وسلاحه في ما آلت إليه أمور البلاد، ولم يصدر عن حزب الله أي دفاع عن "حكومته" ترد عنها سهام المعارضة المفترض في أدبيات الحزب أنها مرتبطة بالأجندة الأميركية، في وقت تكثّف فيه السفيرة الأميركية في بيروت ، دوروثي شيا، جولاتها على القيادات الصديقة لواشنطن في لبنان.

يتحرك جنبلاط وجعجع والحريري (بسرعات متفاوتة) بالتواطؤ مع بري في توقيت بات فيه حزب الله مدركاً أن المجتمع الدولي لن يتعامل مع "حكومته" برئاسة حسان دياب. حاول الحزب وحكومته تمرير توجهات اقتصادية مالية، لا سيما تلك المتعلقة بـ "الكابيتال كونترول" و الـ "هير كات"، قبل أن يتحرك حلفاء الحزب قبل خصومه في رفض الأمر واسقاطه. أدرك الحزب أن الحملة المتعددة الأطراف والملتبسة التي طالت حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، فشلت هي الأخرى، وأن واشنطن والحلفاء، بمن فيهم العرب، لن يتعاملوا مع "دولة حزب الله" ولن يقدموا للبلد وحكومته أي دعم مالي وفق الواجهة الحكومية الراهنة.

قد لا يكون استيقاظ المعارضة المفاجئ بعيدا عن توجهات دولية عربية تخطط لانتشال لبنان من مأزقه من ضمن توجهات عامة مقبلة تتعلق بالمنطقة. الأمر يتطلب تفكيك "حكومة حزب الله"، واستعادة دينامية سياسية تم وأدها منذ أن قدم حزب الله دياب بصفته مولودا طبيعيا للحراك الشعبي الذي انفجر في 17 تشرين الأول/أكتوبر الماضي. بات على الحزب التبروء من مولوده والعودة للرقص مع الخصوم، ودائما فوق ملعبه.