في اليوم السابق مباشرة لإعلان الولايات المتحدة عزمها نقل سفارتها إلى القدس، أي الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل على خلاف القانون الدولي، أدلى وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، بتصريح موجه لإيران: "أميركا لن تنسحب من الاتفاق النووي".

ربما يدخل الموضوع في إطار الثنائية الإدارية في ما يخص ملف الشؤون الخارجية بين البيت الأبيض والوزارة، وهي ثنائية ليست جديدة على الإدارة الأميركية. الرئيسان السابقان استقال وزير خارجيتهما بعد الفترة الأولى، هيلاري كلينتون في حالة أوباما، وكولن باول في حالة جورج دبليو بوش. لا مجال هنا للإشارة إلى الأسباب، إنما أعود لأكرر أن الثنائية بين البيت الأبيض ووزارة الخارجية ليس أمرا جديدا ولا خاصا بإدارة دونالد ترامب.

لكن هذا لا ينفي أن يكون التوقيت مختارا، لتذكير إيران بملفاتها العالقة مع الولايات المتحدة، وبأن سلوكها في موضوع القدس تحت المراقبة. وبين العصى التي يرفعها ترامب والجزرة التي يلوح بها تيلرسون راوحت إيران مكانها في موضوع القدس.

فالملاحظ للتصريحات الإيرانية بخصوص الموضوع، ولسلوك القوى الإعلامية المحسوبة عليها، سيرى عجبا، وذلك من حسن روحاني وصولا إلى قائد أصغر مظاهرة، فالغضب محوّل نحو السعودية بصورة ملفتة للنظر، ونحو حلفائها كمصر والإمارات في الدرجة التالية، والسعودية بين يوم وليلة صارت هي الباب الذي سمح لسياسات أميركا بالمرور.

ولو سلمنا جدلا أن هذا صحيح، فالصحيح إذن أن السعودية كانت هي المانع لحدوث ذلك التطور في السياسة الأميركية تجاه القدس، أليس كذلك؟

أن لا فيلق القدس الإيراني، ولا قائده قاسم سليماني، ولا ميليشيا حزب الله، ولا كتائب الأقصى، كانت المانع أمام الولايات المتحدة لكي تعترف ضمنيا بشرعية احتلال القدس، بل كانت السعودية.

هذا اعتراف للسعودية بأنها كانت الجندي المجهول في الحفاظ على هوية القدس، وفي الوقوف عالميا ضد رغبة الولايات المتحدة التي عبر عنها الكونغرس قبل عقود، وظل الرؤساء الأميركيون يؤجلون تنفيذ القرار أوتوماتيكيا كل 6 أشهر.

لكنهم يتهمون السعودية دون أن يعترفوا لها بذلك. لماذا؟ حتى لا يقوضوا دعاية إيران وميليشيا إيران، التي منت علينا بها طوال 40 عاما، دون أن تقدم لنا شيئا واحدا في ملف واحد. بالعكس، إن ميليشياتها موجهة بشكل أساسي وحاسم وقاطع ولا يعترف بالتسويف ضد جيرانها، في لبنان وفي سوريا وفي العراق وفي اليمن. وهنا لا تعرف سوى الفعل، لا تعترف بالقول. أما في القدس، فأقوال وأقوال وحناجر.

بل أكثر من ذلك. لو اعترفوا للسعودية بأنها كانت السد ضد تغيير هوية القدس، سيواجهون السؤال التالي مباشرة؟ من الذي يعمل بلا كلل على تقويض ذلك السد؟ من الذي اغتال رفيق الحريري في لبنان؟ من الذي تعمد تهديد حدودها الجنوبية من اليمن وشغلها بمشكلة هي في غنى عنها؟

فلو أرادت السعودية أطماعا توسعية ففي جوارها دول غنية، أحدث منها تكوينا، كان يمكن لها أن تثير المشاكل معها وتستغل نفوذها وسطوتها وحداثة عهد الجوار بالسياسة.

وأخيرا، من الذي يتباهى بأنه صاحب القرار في 4 عواصم عربية؟

الإجابة ستدلك إلى موطن الخلل الحقيقي، وستدلك إلى موجه الجماهير ووسائل الإعلام لكي تصب غضبها في الاتجاه الذي تريد. مصر كانت صاحبة النصيب المعتاد من الغضب في السابق. الآن صارت السعودية صاحبة النصيب الأكبر.

إيران لا يريد أن يسألها أحد الآن أين فيلق القدس؟ وذلك لأنه موجود في بغداد ودمشق وصنعاء وبيروت. بالأفعال، بالرصاص، لا بالأقوال والحناجر.