وضعت خسارة الجمهوريين انتخابات التجديد النصفي الأميركية كلفة الحرب مع إيران في صدارة حسابات إدارة دونالد ترامب، من دون أن تحسم اتجاهها نحو استئناف الضربات أو التفاوض أو مواصلة الضغط الاقتصادي. وبين استمرار الاستعدادات العسكرية وتباين التوجهات داخل الإدارة، يرى محللون أن النتائج تضيق هامش المناورة السياسية، لكنها لا تنتزع من الرئيس صلاحياته العسكرية.

وجاءت هذه القراءات في تصريحات لأستاذ العلاقات الدولية زيد عيادات، وأستاذ العلوم السياسية ديفيد رمضان، وأستاذ القانون الدولي العام عامر فاخوري، والدبلوماسي السابق السفير مسعود معلوف.

عقاب انتخابي بأسباب متعددة

يعتبر عيادات النتائج استفتاء على برنامج الجمهوريين وسياسات ترامب الداخلية والخارجية، ورسالة بعدم رضا الناخبين، من دون أن تعني تبنيهم تلقائيا برنامج الديمقراطيين.

ويرى أن إرجاع الهزيمة إلى حرب إيران يساعد ترامب على حماية صورة حزبه، بينما تشمل أسبابها سياسات اقتصادية وتعريفات جمركية وتوتر العلاقة مع كندا. كما يقرأ ابتعاد نائب الرئيس جي دي فانس عن الحرب بوصفه محاولة لحماية مستقبله السياسي، مع حاجته إلى دعم ترامب وقاعدته.

بعد سقوط الجمهوريين.. تباين داخل إدارة ترامب بشأن إيران

أما رمضان، فيعتبر الخسارة بداية تراجع الحالة الترامبية داخل الحزب الجمهوري، فيما يربط معلوف التصويت العقابي بارتفاع كلفة المعيشة وأعباء المواجهة العسكرية. ويشير إلى أن قبول النتائج وإبداء الاستعداد للتعاون مع الديمقراطيين شكلا مفاجأة في موقف ترامب.

3 مسارات نحو هدف واحد

يحدد عيادات 3 خيارات أمام واشنطن: استمرار حالة "اللاحرب واللااتفاق"، أو التوصل إلى اتفاق بالشروط الأميركية، أو تنفيذ ضربة عسكرية. وتلتقي هذه المسارات، وفق تحليله، عند دفع إيران إلى تنازلات في برنامجها النووي وسياساتها الإقليمية.

ويشدد على أن المصالح الاستراتيجية الأميركية تتجاوز هوية الإدارة، لذلك لا تعني خسارة الانتخابات تبدل السياسة تجاه طهران.

لكن فاخوري يرى أن الخيارات جميعها مكلفة؛ فالضربات قد ترفع أسعار النفط وتزيد الاستياء الداخلي، بينما قد يصور الخصوم تجنبها باعتباره تراجعا. كما أن التفاوض مع إيران متشددة لا يضمن مكسبا سياسيا، والعقوبات وحدها لا تضمن تحقيق الأهداف.

ويشير إلى ثلاثة اتجاهات داخل الإدارة: التسوية بقيادة فانس، والتحرك العسكري المرتبط بوزير الحرب، والضغط الاقتصادي الذي يقوده وزير المالية وأطراف في الاستخبارات المركزية، مع اتفاقها على منع إيران من امتلاك سلاح نووي.

انتخابات أميركا تسجل سوابق تاريخية وتغيّر المشهد السياسي

القوة لا تضمن التنازلات

يحذر فاخوري من مساواة القدرة الأميركية على تدمير أهداف عسكرية بإمكان إجبار طهران على تغيير مواقفها. فالتفوق الميداني، بحسب قراءته، لا يتحول تلقائيا إلى تسوية سياسية.

ويؤكد أن خسارة الكونغرس لا تسلب ترامب موقعه قائدا أعلى للقوات المسلحة، وأن أمامه مساحة للتحرك قبل بدء الكونغرس الجديد مهامه في الثالث من يناير 2027.

في المقابل، يستبعد رمضان أن تؤدي الهزيمة تلقائيا إلى حرب واسعة، ويرجح مواجهة طويلة تتخللها مناوشات وعمليات محدودة، مع استمرار الضغط الاقتصادي والعزل لدفع إيران إلى اتفاق.

وينبه عيادات إلى أن هذا المسار ليس بلا كلفة، إذ يفرض الحصار ومرافقة السفن في مضيق هرمز أعباء على الطرفين، ويزيد خطر الخطأ في الحسابات، بما يهدد استقرار المنطقة واقتصادات حلفاء واشنطن.

انتكاسة الجمهوريين تهز مركز صناعة القرار الأميركي

تنازلات متزامنة لاختبار التسوية

يرى معلوف أن تجنب استئناف القتال يخدم الطرفين، ويطرح خطوات متبادلة تبدأ بفتح مؤقت أو جزئي لمضيق هرمز مقابل تخفيف جزء من الحصار الأميركي.

ويعتبر أن تزامن التنازلات قد يمنع ظهور أي طرف بمظهر المتراجع، ويمهد لاستئناف المفاوضات والبحث في اتفاق نووي.

وفي العلاقة مع إسرائيل، يميز عيادات بين تراجع قبول الدعم غير المشروط واستمرار المصالح الاستراتيجية المشتركة، بينما يتفق رمضان ومعلوف على بقاء التحالف مع احتمال إعادة ترتيب الدعم. وتبقى، وفق هذه القراءات، كلفة المواجهة وفاعلية أدوات الضغط العاملين الأبرز في تحديد الخطوة الأميركية المقبلة.