دفعت بلاغات متكررة بوجود قنابل على متن طائرات السلطات الأوروبية إلى تغيير مسارات رحلات وتنفيذ عمليات هبوط اضطراري، وسط استنفار أمني، رغم أن التفتيش لم يكشف عن متفجرات. وأثار توالي الإنذارات خلال أيام مخاوف من حملة منسقة تستهدف إرباك حركة الطيران واستنزاف الموارد الأمنية، من دون تحديد الجهة المسؤولة.
وفي حديثهما إلى "سكاي نيوز عربية"، شرح الخبير في شؤون الطيران مازن السماك آليات التعامل مع التهديدات، فيما ناقش الباحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية رفائيل بوسونغ احتمال ارتباطها بأساليب الحرب الهجينة، مؤكدا غياب الأدلة الحاسمة.
كثافة غير معتادة
وصف السماك تكرار البلاغات بهذه الكثافة بأنه سابقة في قطاع الطيران، مشيرا إلى تسجيل 12 إنذارا خلال يوم واحد، وارتفاع العدد إلى 20 خلال ثلاثة أيام، بخلاف حوادث سابقة كانت تقع على فترات متباعدة.
وأوضح أن كل بلاغ يخضع لتقييم أمني يشمل مصدر المعلومة ومحتواها ومصداقيتها، مع مقارنتها بالمعلومات الاستخباراتية والأمنية المتاحة من السفارات ومصادر أخرى.
ولا تكفي هوية المصدر للحكم على جدية التهديد؛ فقد تدعم قرائن موثوقة معلومة مجهولة المصدر، بينما تفتقر معلومة من جهة معروفة إلى القيمة الأمنية. لذلك، تبقى الأدلة أساس اتخاذ القرار.
الهبوط تحكمه الجاهزية
بحسب السماك، تقوم الاستجابة على تنسيق بين الأجهزة الأمنية وأبراج المراقبة والطيارين وسلطات الطيران والمطارات، ضمن بروتوكولات مكتوبة وتدريبات سابقة، وليس على قرارات منفردة.
ولا يفرض الإنذار الهبوط في أقرب مطار جغرافيا، بل في مطار مناسب لطول المدرج وتجهيزات الإطفاء، وتوافر الفرق الفنية والأمنية القادرة على إخلاء الركاب وتفتيش الطائرة وعزلها.
وتمنح أبراج المراقبة الطائرة أولوية الهبوط، بينما تتولى الجهات المختصة الإجراءات الأرضية. وقد تستدعي الاستجابة إغلاق مدارج أو مطارات وتأخير رحلات، بما فيها رحلات الربط، فتتسع آثار البلاغ إلى مسافرين ورحلات أخرى.
وشدد السماك على أن سلامة الأرواح تتقدم على الكلفة التشغيلية. وحتى لو كانت الغالبية الساحقة من الإنذارات كاذبة، فإن احتمال وجود تهديد حقيقي يمنع التساهل معها.
اختبار للأجهزة الأمنية
طرح السماك احتمال استخدام البلاغات لدراسة ردود فعل الأجهزة الأمنية وأساليب استجابتها، لكنه لم يربطها بصراع محدد، في ظل تعدد بؤر التوتر، من المواجهات المرتبطة بإيران إلى الحرب الروسية الأوكرانية.
ويرى أن أوروبا جاهزة لأغلب الاحتمالات، بفضل بروتوكولات تطورت عبر سنوات، مع استبعاد الاستعداد لكل تهديد. كما أكد أن الطيارين مدربون على هذه الحالات، وأن السلطات تعمل بمستوى مرتفع من الانتباه.
روسيا فرضية لا اتهام مثبت
من جانبه، رجح بوسونغ وجود حملة منسقة استنادا إلى تشابه الحوادث وتكرارها، لكنه نفى وجود رابط مباشر مثبت بينها وبين حوادث التشويش التي شهدها الطيران الأوروبي خلال العام أو العامين الماضيين.
وأشار إلى مشكلات أنظمة تحديد المواقع في شرق أوروبا المرتبطة بروسيا، لكنه قال إن توجه عدد من الرحلات المعنية إلى بلغاريا يثير تساؤلات بشأن فرضية تورط موسكو، نظرا إلى اختلاف موقفها عن الدول الأكثر مواجهة لروسيا.
وأكد أن موسكو تبقى إحدى الفرضيات، لا جهة ثبتت مسؤوليتها عن البلاغات الأخيرة.
استنزاف بلا متفجرات
يرى بوسونغ أن تكرار التهديدات يحقق غرض الإرباك حتى عندما لا يظهر خطر فعلي، إذ يفرض تعبئة موارد أمنية ويعطل الحياة اليومية ويرفع كلفتها.
ووضع هذه المخاوف في سياق هجمات سيبرانية استهدفت أوكرانيا وأهدافا أوروبية، مع التشديد على ضرورة التحقيق الجنائي وجمع الأدلة قبل تحديد المسؤولين أو ربط الحوادث ببعضها.
وأضاف أن الجاهزية الأوروبية متفاوتة، رغم تحديث البنى التحتية وتعزيز قدرات مواجهة المسيرات والأمن السيبراني. وتظل مواطن ضعف جديدة تظهر مع تطور التقنيات والذكاء الاصطناعي، ما يجعل الاستعداد عملية مستمرة.