يكشف انسحاب مايكروسوفت من مشروع مركز بيانات في إيسكس فجوة بين خطط لندن لتوسيع الحوسبة وقدرة الشبكة على إيصال الكهرباء إلى المشروعات في موعدها.
تراهن بريطانيا على مراكز البيانات لتكون جزءًا من موقعها في سباق الذكاء الاصطناعي، لكن هذه المراكز لا تعمل بالخطط والاستثمارات وحدها، فهي تحتاج إلى كهرباء كبيرة ومستقرة، وإلى شبكة تستطيع إيصالها في الوقت المناسب.
ومن هنا تتجاوز دلالة انسحاب مايكروسوفت من اتفاق لاستئجار قدرات حوسبة في مركز بيانات تخطط شركة "إنسكيل" لإنشائه في إيسكس خسارةَ عميل لمشروع واحد.
فالواقعة تطرح سؤالًا أوسع، هل تتحول الكهرباء، أو بالأحرى القدرة على توصيلها، إلى عنق زجاجة يحدّ من طموح بريطانيا في بناء بنية تحتية محلية للذكاء الاصطناعي؟
مشروع واعد ينتظر الشبكة
كان من المقرر أن يضم مركز البيانات في بلدة لوغتون 23 ألف وحدة معالجة متقدمة من "إنفيديا"، لتوفير قدرات حوسبة لخدمات "Azure" التابعة لمايكروسوفت. وخُطط لأن يبدأ المركز بقدرة 50 ميغاواط، قابلة للزيادة إلى 90 ميغاواط، على أن تبدأ إتاحة قدرته الحاسوبية خلال الربع الأول من عام 2027.
لكن "يو كيه باور نتوركس"، المسؤولة عن شبكة الكهرباء في لندن وجنوب شرق إنجلترا، أبلغت "إنسكيل" بأنها لن تتمكن من توفير الطاقة الكافية للمركز قبل أوائل إلى منتصف الثلاثينيات، وفق ما أوردته "الغارديان".
وبذلك ظهرت فجوة كبيرة بين موعد التشغيل الذي بُنيت عليه الخطة وموعد وصول الكهرباء اللازمة إليها.
وأفادت "رويترز"، نقلًا عن صحيفة "تلغراف"، بأن مايكروسوفت أنهت اتفاقها المرتبط بالمركز. ولم ترد الشركة على طلب للتعليق، فيما قالت "إنسكيل" إنها لا تزال ملتزمة بالمشروع وتبحث عن مصادر بديلة للطاقة وسبل لتسريع الربط بالشبكة. وأضافت أن علاقتها مع مايكروسوفت ما زالت قوية وطويلة الأمد.
المشكلة في طريق الكهرباء
لا تعني أزمة إيسكس بالضرورة أن بريطانيا عاجزة عن توليد الكهرباء على المستوى الوطني. فالمشكلة المباشرة، بحسب التقارير المنشورة، تتعلق بقدرة الشبكة في المنطقة على نقل الطاقة إلى الموقع، وموعد ربطه بها.
وقد تكون الكهرباء متاحة في مكان آخر، لكن ذلك لا يكفي لمركز يحتاج إلى إمداد كبير ومستقر في موقع محدد.
وتواجه مشروعات أخرى الضغط نفسه على طوابير الربط. فقد قالت هيئة تنظيم الطاقة البريطانية "أوفجيم" إن طلبات توصيل الأحمال الكهربائية ارتفعت من 41 غيغاواط إلى 125 غيغاواط بين نوفمبر 2024 ويونيو 2025، مع ارتباط جانب كبير من الزيادة بمراكز البيانات. وأشارت إلى أن نحو 73 غيغاواط من القدرة المسجلة في طابور الربط تخص هذه المراكز. لكن هذه الأرقام تمثل طلبات ومشروعات مقترحة، ولا تعني أن جميعها سيُنفذ أو سيستهلك هذه الطاقة فعلًا.
وتسعى "أوفجيم" إلى تعديل نظام الربط، بما يشمل تقليص أثر المشروعات غير الجاهزة وإعطاء الأولوية للمشروعات الأكثر قابلية للتنفيذ.
غير أن إصلاح نظام الطوابير لا يعوّض وحده الوقت اللازم لتطوير الشبكات ومحطاتها، كما أن كلفة الكهرباء تضيف عبئًا آخر على حسابات الشركات.
طموح يتطلب طاقة فعلية
تطمح الحكومة البريطانية إلى رفع قدرة مراكز البيانات المؤهلة لتشغيل الذكاء الاصطناعي إلى 6 غيغاواط بحلول عام 2030، وصنّفت مراكز البيانات بنية تحتية وطنية حيوية. لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب أكثر من استقطاب الشركات أو إعلان الاستثمارات، فهو يحتاج إلى مواقع جاهزة، وشبكات قادرة على تلبية الطلب، ومواعيد ربط تتوافق مع خطط تشغيل المنشآت.
ولا تكفي واقعة إيسكس وحدها للحكم بأن بريطانيا لن تستطيع بلوغ طموحها في الذكاء الاصطناعي. لكنها تكشف خطرًا عمليًا وقائما، إذا وصلت الكهرباء بعد سنوات من الموعد الذي تحتاج إليه الشركات، فقد تتجه الاستثمارات إلى مواقع أخرى أو تُعاد جدولة المشروعات لتعكس وتيرة أبطأ.
لذلك، لا يتمثل الاختبار البريطاني في إعلان هدف الحوسبة فحسب، بل في تحويله إلى قدرة عاملة. فمن دون كهرباء تصل في موعدها، يظل طموح الذكاء الاصطناعي أقرب إلى خطة تنتظر التشغيل.