تضع الاحتجاجات في فرنسا السلطات أمام اختبار يتجاوز احتواء أعمال الشغب إلى التعامل مع ضغوط معيشية وفوارق اجتماعية تغذي الغضب، بحسب الباحث في الاقتصاد السياسي حسان القبي، الذي يحذر من أن تصاعد العنف يعمق الأزمة ويزيد صعوبة استعادة الهدوء.

وفي حديثه إلى "التاسعة" على سكاي نيوز عربية، ربط القبي الاحتقان بارتفاع أسعار الطاقة وصعوبة الحصول على السكن وتراجع القدرة الشرائية، معتبرا أن الخيارات الاقتصادية الأوروبية انعكست على حياة المواطنين، فيما تتداخل المطالب الاجتماعية مع تحركات مجموعات تستغل الاضطرابات للتخريب والسرقة.

الطاقة تضغط على الإنفاق

وضع القبي تكلفة الطاقة في مقدمة أسباب الضيق الاقتصادي، معتبرا أن مقاطعة مصادر الطاقة الروسية أسهمت في ارتفاع الأسعار، بعدما كان الغاز والنفط الروسيان يدعمان الاقتصاد الأوروبي، وفق قراءته.

موجة احتجاجات تضغط على أوروبا

واستشهد بتجربته في باريس، حيث رصد تفاوتا في أسعار الديزل بين محطات الوقود، يدفع المستهلكين إلى البحث عن خيارات أقل تكلفة. ويرى أن هذه الفوارق تصبح عبئا مع زيادة استهلاك الوقود والمسافات المقطوعة، وتعكس اضطرار المواطنين إلى تشديد الرقابة على إنفاقهم اليومي.

وانتقد ترتيب الأولويات الأوروبية في ظل هذه الضغوط، رابطا بين استمرار الالتزامات المالية تجاه أوكرانيا والصعوبات الاقتصادية داخل أوروبا، ومعتبرا أن السياسات المتبعة لم تضع المصالح الأوروبية في المقام الأول.

السكن والخدمات يوسعان الاحتقان

وبحسب القبي، لا تقتصر الأزمة على فاتورة الطاقة، بل تشمل صعوبة توفير السكن بأسعار تتناسب مع الرواتب، إلى جانب ما وصفه بتراجع خدمات الصحة والتعليم.

وقارن ظروف المعيشة الحالية بما عرفه عند وصوله إلى فرنسا عام 2012، مشيرا إلى أن تأمين الاحتياجات الأساسية أصبح أكثر صعوبة. وفي قراءته، تساعد هذه التحولات على تفسير اتساع الغضب، لأنها تمس تفاصيل الحياة اليومية وقدرة الأسر على تحمل النفقات.

ويرى أن اجتماع هذه الضغوط يمنح الاحتجاجات بعدا يتجاوز الاعتراض على زيادة محددة في الأسعار. فحين تتزامن صعوبة السكن مع تراجع الخدمات وارتفاع تكاليف التنقل، تتراكم أسباب الاحتقان، ويصبح التعامل معها، وفق طرحه، مرتبطا بظروف المعيشة الأوسع.

عنف متبادل ومجموعات تستغل الفوضى

ووصف القبي مستوى العنف خلال الأحداث التي سبقت المقابلة بأنه غير مسبوق، وفق تقديره، مشيرا إلى وقوعه من جانب محتجين وقوات الشرطة.

وأكد حق الدولة في استخدام القوة لحماية النظام العام، لكنه انتقد ارتفاع مستوى القوة المستخدمة، وأثار مسألة التعامل مع تلاميذ صغار خلال الأسابيع السابقة.

أخبار ذات صلة

فيديو من احتجاجات فرنسا.. قميص موقع لميسي يثير التساؤلات
احتجاجات غاضبة في 6 دول.. ماذا يحدث في أوروبا؟

وفي المقابل، أدان التخريب والسرقة والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، وميز بين أصحاب المطالب الاجتماعية والنقابية والسياسية ومجموعات تستغل الاضطرابات، محذرا من أن العنف يولد مزيدا من العنف.

وأشار إلى مشاركة مجموعات "بلاك بلوك"، التي وصفها باليسار الراديكالي المعروف بأعمال التهشيم، وإلى تورط أشخاص من أحياء مهمشة في التخريب، بحسب روايته. كما تحدث عن مخاوف دفعت بعض السكان إلى تجنب الخروج، وحذر من تأثير المشاهد العنيفة على صورة فرنسا السياحية.

التهميش يتجاوز نقاش الهجرة

وشدد القبي على أن المشاركين في أعمال الشغب الذين تحدث عنهم ليسوا بالضرورة مهاجرين حديثي الوصول، موضحا أن بعضهم ينتمي إلى الجيل الثالث من الهجرة، وولد وتعلم في فرنسا.

وربط ذلك بالفوارق بين الأحياء الراقية والمناطق المهمشة المحيطة بها، معتبرا أن معالجة الملف تستدعي النظر إلى التفاوت الاجتماعي، لا الاكتفاء بتفسير الأحداث بالهجرة.

وتوقع أن يتخذ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون موقفا حازما تجاه المتورطين في التخريب، مشيرا إلى امتلاك أجهزة وزارة الداخلية إمكانات تقنية لجمع الأدلة وتحديد هوياتهم. وتضع هذه القراءة السلطات أمام مسارين متوازيين: محاسبة مرتكبي الاعتداءات واحتواء الضغوط المعيشية والاجتماعية التي تغذي الاحتقان.