مع اقتراب دخول العقوبات الأميركية على قطاع الطيران الإيراني حيز التنفيذ، تتجه المواجهة بين واشنطن وطهران نحو مرحلة يتقدم فيها الضغط الاقتصادي على الخيار العسكري، بينما ينقسم الداخل الإيراني بين من يدفع إلى صفقة سريعة ومن يتمسك بالتصعيد.
ويأتي ذلك فيما يلوح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بخيارات تصعيدية غير مسبوقة، من دون أن يغلق الباب أمام لقاء محتمل مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
ويرى الباحث في مركز الإمارات للسياسات محمد الزغلول، في حديث لـ"التاسعة" على سكاي نيوز عربية، أن الإدارة الأميركية باتت أكثر اقتناعا بقدرة الأدوات الاقتصادية على تغيير سلوك النظام الإيراني مقارنة بالخيارات العسكرية التي جرى اختبارها سابقا.
الاقتصاد يتقدم على الخيار العسكري
بحسب الزغلول، لم تؤد المواجهات العسكرية، رغم كثافتها واستهداف قيادات إيرانية بارزة، إلى إحداث ليونة كافية في موقف طهران التفاوضي. لذلك اتجهت واشنطن إلى صيغة تجمع بين الحصار البحري والعزل الاقتصادي، مع إجراءات تهدف إلى تسريع تأثير العقوبات.
ويضع الزغلول العقوبات على قطاع الطيران ضمن ما يسميه حملة "النبذ الاقتصادي"، التي تستهدف زيادة عزلة إيران ورفع كلفة استمرارها في رفض الشروط الأميركية.
ويختصر الباحث معادلة الضغط بين الطرفين بمؤشرين: احتياطيات النفط الاستراتيجية الأميركية من جهة، والتضخم في إيران من جهة أخرى.
ويقول إن الاحتياطيات الأميركية تراجعت إلى أدنى مستوياتها منذ أربعة عقود، ما يضغط على أسعار الطاقة، لكن ذلك لم يتحول حتى الآن إلى انفجار سعري.
في المقابل، يشير الزغلول إلى أن معدلات التضخم في إيران تراوحت، خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنتها المالية، بين 51 و85 بالمئة، واصفا هذه المستويات بأنها غير مسبوقة منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، وأنها تفقد أي زيادة في الرواتب قيمتها الفعلية.
صفقة الآن أم تصعيد الآن؟
يرى الزغلول أن الخلاف داخل إيران لا يتعلق بتأجيل القرار، بل بطبيعته. فالحكومة الإيرانية تميل، بحسب قراءته، إلى خيار "الصفقة الآن"، بينما يدفع الحرس الثوري نحو "التصعيد الآن".
ويعكس هذا الانقسام تعدد مراكز القرار داخل النظام، في وقت يرى فيه الطرفان أن الانتظار إلى ما بعد الانتخابات الأميركية قد يجعل شروط أي صفقة أو مواجهة أقل ملاءمة لإيران.
وعلى الجانب الأميركي، يعتقد الزغلول أن ترامب قد يقبل في النهاية بأقل من مطالبه العلنية إذا قدمت طهران تنازلات ملموسة. ويشير إلى أن الرئيس الأميركي يستخدم سقفا مرتفعا من التهديدات، لكنه قد يتراجع عنه عند الوصول إلى تفاهم يحقق أهدافه الأساسية.
ويضيف أن التهديدات الأميركية لا تقتصر على الضغط الكلامي، مشيرا إلى امتلاك واشنطن خيارات غير تقليدية لاستهداف منشآت الصواريخ الإيرانية التي صمدت أمام الضربات التقليدية. ويقدم ذلك بوصفه أحد سيناريوهات التصعيد التي تلوح بها الإدارة الأميركية، وليس قرارا معلنا بالتنفيذ.
مفاوضات خلفية ومساحة محدودة لبزشكيان
في المقابل، يرصد الزغلول مؤشرات على انفتاح إيراني، من بينها دعوة محسن رضائي الحكومة إلى التفاوض، لكنه يستبعد أن يكون لقاء ترامب وبزشكيان وشيكا أو جديا حتى الآن.
ويشير إلى أن الوفود الإيرانية المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة تضم عادة شخصيات قادرة على إجراء اتصالات خلفية مع واشنطن، معتبرا أن بزشكيان يمتلك مساحة محدودة للمناورة إذا قرر استثمارها.
لكن نجاح الضغط الاقتصادي، وفق الزغلول، يبقى مرتبطا بمضيق باب المندب. ويحذر من أن تعويض إيران خسائرها في مضيق هرمز عبر تحريك الحوثيين قد يضعف أثر الحصار، خصوصا إذا توسعت الهجمات لتشمل سفنا أميركية أو أوروبية.
وبذلك، تتحرك المواجهة على مسارين متوازيين: عقوبات أميركية متصاعدة تستهدف دفع إيران نحو التفاوض، وانقسام إيراني بين صفقة تتبناها الحكومة وتصعيد يفضله الحرس الثوري، فيما يبقى باب المندب الورقة القادرة على تعطيل الحسابات الاقتصادية لواشنطن.