تتحرك إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه إيران بين تصعيد العقوبات والحفاظ على الجهوزية العسكرية وترك باب التفاوض مفتوحا، في وقت تضغط فيه كلفة الانتشار وارتفاع أسعار الوقود على الحسابات الداخلية الأميركية قبل انتخابات التجديد النصفي.

ويرى الخبير في الشؤون الأميركية والشرق أوسطية سعيد البستاني، خلال حديثه إلى "التاسعة" على "سكاي نيوز عربية"، أن المشهد لا يتجه حاليا إلى حرب شاملة، من دون استبعاد احتمال التصعيد إذا تعثرت الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية أو دفعت التطورات الداخلية ترامب إلى مجازفة عسكرية.

ترامب يقترب من قرار مصيري.. هل يستأنف الهجمات على إيران؟

3 مسارات للضغط

قال البستاني إن إدارة ترامب تتعامل مع إيران عبر ثلاثة مسارات متوازية، في مقدمتها العقوبات الاقتصادية، إلى جانب التهديدات العسكرية، والإبقاء على قنوات التفاوض مفتوحة.

وتكتسب التهديدات العسكرية، وفق البستاني، صدقية مع استمرار أوامر الجيش الأميركي بالحفاظ على مستوى الجهوزية حتى نهاية العام.

وفي المقابل، ظهرت إشارة دبلوماسية خلال اليومين الماضيين مع منح الوفد الإيراني تأشيرات لدخول الولايات المتحدة والمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

لكن البستاني حذر من المبالغة في تفسير هذه الخطوة، قائلا إنها قد تكون "بادرة أميركية تقابلها إيران ببادرة أخرى"، من دون أن تعني الوصول إلى تفاهم قريب.

وأضاف: "لا توجد حاليا حرب كبيرة وشاملة، لكن هذا الاحتمال لا يمكن استبعاده"، مشيرا إلى أن ضغوط الانتخابات وارتفاع الأسعار قد تؤثر في قرارات الرئيس الأميركي.

إيران.. مرحلة الخيارات الكبرى

كلفة الجهوزية ترتفع

تشكل كلفة الانتشار العسكري عاملا ضاغطا على واشنطن مع استمرار الأزمة. وبحسب تقديرات عرضها البستاني، يبلغ عدد الجنود الأميركيين المنتشرين في المنطقة نحو 50 ألفا، بكلفة قد تصل إلى ملياري دولار شهريا، وترتفع إلى ثلاثة مليارات في حال اندلاع تصعيد يشمل ضربات أو هجمات على ناقلات النفط وردا أميركيا عليها.

كما قدر أن ارتفاع أسعار الوقود العسكري أحدث فجوة في موازنة وزارة الدفاع الأميركية تتراوح بين 4 و6 مليارات دولار.

ويرى البستاني أن استمرار الانتشار بالمستوى الحالي سيضيف أعباء اقتصادية، بينما تواجه الإدارة معضلة أخرى تتمثل في أن أي اتفاق جزئي مع طهران قد يعرضها لاتهامات بالضعف، من دون أن يعالج الملف النووي أو نفوذ إيران الإقليمي.

احتواء الحوثيين وحماية الملاحة

في الملف اليمني، قال البستاني إن المقاربة الأميركية تقوم على احتواء الحوثيين ومنعهم من الاقتراب من باب المندب أو التأثير في حركة الملاحة، مع فصل هذا المسار عن الضغط المباشر على إيران بشأن مضيق هرمز والبرنامج النووي.

ويرى أن الحوثيين أظهروا قدرا من البراغماتية، في ظل عدم رغبتهم في اعتراض السفن الأميركية أو الإسرائيلية، إلى جانب ضغوط صينية لمنع انتقال التوتر إلى باب المندب وحماية سلاسل الإمداد.

واعتبر أن إغلاق الممر سيضع إيران في مواجهة تحالف دولي قد يبدأ بحلفائها الصينيين، ولذلك لا تبدو طهران، وفق تحليله، متجهة إلى دفع الحوثيين نحو إغلاقه.

حرب إيران تضغط على جيوب الأميركيين قبل انتخابات الكونغرس

الوقود يدخل الانتخابات

داخليا، تتحول أسعار الوقود وكلفة المواجهة مع إيران إلى ورقة انتخابية.

وأشار البستاني إلى استطلاعات، مع إقراره بهامش الخطأ فيها، تظهر أن ثلثي الأميركيين يعتقدون أن الحرب لا تستحق التكاليف التي تنفق عليها. كما لفت إلى اقتراب سعر البنزين من خمسة دولارات للغالون، وتجاوز الديزل ستة دولارات.

ويستخدم الديمقراطيون ارتفاع الأسعار في حملاتهم الانتخابية، بينما ينقسم الجمهوريون بين مؤيد لسياسات ترامب ومن يفضل التركيز على ملفات أخرى، مثل الهجرة غير الشرعية والجدار الحدودي وترحيل المجرمين.

ولا يرى البستاني أن الاقتصاد الأميركي يمر بأزمة شاملة، مستندا إلى مؤشرات الوظائف وأداء البورصة وصناديق التقاعد. لكنه يؤكد أن الوقود يظل أكثر الملفات التصاقا بحياة الأميركيين، لأن ارتفاع تكاليف النقل ينتقل سريعا إلى أسعار السلع.

وهكذا تجد واشنطن نفسها أمام معادلة ضيقة: مواصلة الضغط على إيران من دون الانجرار إلى حرب شاملة، والحفاظ على ردع عسكري تتزايد كلفته، فيما تتحول أسعار الوقود إلى عبء سياسي قد يظهر أثره في صناديق الاقتراع.