تضع خطط إنشاء قاعدة عسكرية أميركية دائمة في بولندا الأمن الأوروبي أمام معادلة أكثر حساسية، مع تصاعد التوتر بين وارسو وموسكو وتعزيز الحضور العسكري على الجناح الشرقي لحلف الناتو.

وبينما تنظر بولندا إلى الوجود الأميركي باعتباره ضمانة أمنية ورسالة ردع، تحذر موسكو من التداعيات العسكرية لنشر قوات وصواريخ أميركية قرب حدودها، خصوصا أن موقع بولندا قد يقلص زمن وصول الصواريخ إلى العاصمة الروسية وأهداف أخرى داخل البلاد.

ويربط الأكاديمي والباحث السياسي رولاند بيجاموف، خلال حديثه إلى "الظهيرة" على سكاي نيوز عربية، الإعلان عن القاعدة بمراجعة واشنطن حساباتها بشأن انتشار قواتها في أوروبا.

الولايات المتحدة على وشك إقامة قاعدة عسكرية في بولندا

ويقول بيجاموف إن بولندا تمثل حليفا رئيسيا للولايات المتحدة على الجناح الشرقي للناتو، مشيرا إلى ارتفاع إنفاقها العسكري ووصوله إلى مستوى يعادل 5 بالمئة، وفق قوله، ما يعزز مكانتها لدى واشنطن.

ويرى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد يستخدم الوجود الجديد لإعادة توزيع القوات الأميركية الموجودة في دول أوروبية أخرى، لا سيما الدول التي عارضت استخدام قواتها لتسهيل الحملة على إيران.

وبحسب هذه القراءة، لا تمثل القاعدة خطوة عسكرية منفصلة، بل تأتي ضمن إعادة ترتيب أوسع لعلاقة واشنطن بحلفائها الأوروبيين.

موسكو أمام عامل الزمن

ويعتبر بيجاموف أن الموقع الجغرافي للقاعدة يمثل البعد الأكثر حساسية في الحسابات الروسية، إذ إن نشر صواريخ أميركية في بولندا قد يقلص زمن وصولها إلى موسكو.

ويستعيد الباحث منطق المواجهة العسكرية خلال الحرب الباردة، عندما شكل زمن وصول الصواريخ إلى أهدافها عنصرا أساسيا في حسابات الردع بين الولايات المتحدة وروسيا.

ويتوقع بيجاموف أن ترد موسكو بتعزيز إجراءاتها العسكرية والدفاعية داخل أراضيها وفي بيلاروسيا، مشيرا إلى أن القاعدة ستضاف إلى وجود نحو 10 آلاف جندي أميركي في بولندا، بحسب ما ذكره.

ويرى أن الصراع الحالي لا تفسره العوامل العسكرية والاقتصادية وحدها، بل يحمل أسبابا أيديولوجية يصفها بأنها أكثر خطورة. كما يشدد على أن الحوار يمثل الطريق الوحيد لمعالجة الخلافات بين الدول المتجاورة، خصوصا في أوروبا الشرقية.

من بولندا إلى اليابان.. تحركات غربية لمحاصرة روسيا عسكريا

بولندا تبحث عن ضمانات

في المقابل، يقدم الباحث في شبكة "أونت" والدبلوماسي البولندي السابق فيتولد يوراش تفسيرا مختلفا للدوافع البولندية.

ويقول يوراش إن روسيا، من وجهة نظره، لا تتجنب المواجهة مع الدول الأوروبية، مشيرا إلى القصف وإرسال الطائرات المسيرة واستهداف دول لا علاقة لها بالصراع.

ويضيف أن هذه المخاوف دفعت بولندا، منذ سنوات، إلى زيادة استثماراتها في القطاعين الدفاعي والعسكري، والسعي إلى استضافة قاعدة أميركية دائمة والحصول على أسلحة نووية أميركية باعتبارها ضمانات أمنية.

وبحسب يوراش، فإن وجود جنود أميركيين في بولندا يبعث برسالة إلى موسكو مفادها أن مهاجمة أي دولة في المنطقة قد تعني مواجهة الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وحلفاء آخرين.

ويقر بأن امتلاك روسيا أسلحة نووية يثير مخاوف الأوروبيين، لكنه يرى أن هذا الخوف نفسه يفسر طلب بولندا تعزيز الوجود الأميركي.

أما بيجاموف، فيؤكد أن روسيا تنظر إلى السلاح النووي باعتباره أداة ردع ووسيلة أخيرة، نظرا إلى عدم كفاية قواتها لخوض حرب تقليدية مع حلف الناتو بأكمله، وفق تقديره.

وفي ظل استمرار بولندا في دعم أوكرانيا وإنفاقها مليارات الدولارات لإعادة تسليح قواتها، تتحول القاعدة الأميركية إلى اختبار جديد لحدود الردع: ضمانة أمنية من وجهة نظر وارسو، وتهديد يستدعي ردا عسكريا من منظور موسكو.