بين أزمة الطاقة وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، يواجه الاقتصاد الإيراني ضغوطا متصاعدة تنعكس مباشرة على حياة المواطنين، في ظل استمرار العقوبات وتراجع قيمة العملة ومشكلات القطاعات المنتجة للطاقة.
ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية وجدان عبد الرحمن أن الاقتصاد وصل إلى "طريق مسدود"، معتبرا أن الأزمة لا ترتبط فقط بنقص الموارد، بل تمتد إلى طريقة إدارة المتاح منها وتوجيهه إلى الداخل، في وقت يتحمل المواطن كلفة الغلاء والبطالة واضطراب أسواق الطاقة.
تهريب الوقود وتناقض التصريحات
يشكك عبد الرحمن في جدوى المقترحات الحكومية، ومنها تخصيص يوم بلا سيارات للحد من استهلاك الوقود، مقترحا بدلا من ذلك تخصيص "يوم بلا تهريب للنفط والمازوت".
ويقول خلال حديثه لسكاي نيوز عربية إن كميات كبيرة من البنزين يجري تهريبها من جانب جماعات تابعة للحرس الثوري الإيراني، معتبرا أن ضبط هذا الملف قد يعوض جزءا من الكميات التي تسعى الحكومة إلى توفيرها عبر خفض الاستهلاك.
كما يشير إلى تناقض في التصريحات الإيرانية بشأن الطاقة، إذ تتحدث جهات رسمية عن امتلاك البلاد مخزونات وإمكانات كبيرة، بينما تعكس الوقائع، وفق قراءته، صورة مختلفة. ويرجح أن يكون جزء من هذه الكميات موجها إلى الآلة العسكرية التابعة للحرس الثوري بدلا من تلبية احتياجات المواطنين.
المواطن في مواجهة الغلاء
بحسب عبد الرحمن، لم يعد الضغط الاقتصادي مقتصرا على ارتفاع أسعار السلع، بل بات يتزامن مع غياب فرص العمل ومعاناة موظفين وعمال في مؤسسات حكومية وشركات من أزمات معيشية متزايدة.
ويستدل على اتساع دائرة المتضررين بمقاطع نشرها ضباط في الشرطة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، اشتكوا فيها من الغلاء وصعوبة توفير الاحتياجات الأساسية لعائلاتهم.
ويرى أن وصول الشكاوى إلى عناصر في الأجهزة الأمنية يعكس حجم الأزمة التي يواجهها الإيرانيون، خصوصا مع انهيار قيمة العملة وارتفاع أسعار المواد الأساسية.
ويربط عبد الرحمن الاقتصاد الإيراني بصورة مباشرة بسعر الدولار، موضحا أن كل تراجع في قيمة العملة المحلية يضاعف الضغوط على المواطنين.
كما يشير إلى أثر العقوبات المفروضة على قطاعات النفط والبتروكيماويات والتصدير، والتي تحد من تدفق العملات الأجنبية إلى البلاد.
ولا يقتصر تأثير تعطل هذه القطاعات على الإيرادات الخارجية، إذ يمتد إلى الإنتاج المحلي وإمدادات الطاقة. ويشير عبد الرحمن إلى شركة "برس الجنوب" ودورها في تزويد قطاعات البتروكيماويات بالمازوت والبنزين، موضحا أن تضرر أي جزء من هذه المنظومة ينعكس على بقية القطاعات.
ويضيف أن تقسيم أسعار البنزين إلى شرائح مدعومة وأخرى منخفضة وثالثة أعلى سعرا، إلى جانب رفع أسعار البنزين والمازوت للسيارات كثيفة الاستهلاك، يزيد كلفة الحياة على المواطنين.
لا ليونة في المفاوضات
رغم تفاقم الأزمة، يستبعد عبد الرحمن أن تقود الضغوط الاقتصادية إلى ليونة إيرانية في التفاوض مع الولايات المتحدة، مرجعا ذلك إلى هيمنة الحرس الثوري على القرار السياسي والسيادي.
ويرى أن طهران تعتمد التصعيد للحصول على امتيازات، بما في ذلك استخدام مضيق هرمز ورقة لانتزاع تنازلات في ملفات البرنامج النووي والصواريخ والأذرع الإقليمية. ويشير إلى أن الحديث الإيراني عن فتح الممر المائي الجديد مع سلطنة عُمان مشروط بإحياء مذكرة التفاهم السابقة، بينما تريد واشنطن، بحسب عرضه، اتفاقا مختلفا.
ويعتبر عبد الرحمن أن الأذرع الإقليمية تمثل امتدادا للجبهة الإيرانية، وأن طهران استفادت منها خلال فترات الحصار عبر الأموال وتهريب النفط، إلى جانب استخدامها في الضغط الإقليمي.
شراكات لا تنقذ الاقتصاد
على صعيد الدعم الخارجي، يرى عبد الرحمن أن انضمام إيران إلى مجموعة بريكس لم يمكّنها من دخول بنك المجموعة، كما أن شراكاتها مع روسيا والصين لم توفر لها الدعم الاقتصادي المتوقع.
ويخلص إلى أن اتفاقيتي إيران مع الصين لمدة 25 عاما وروسيا لمدة 20 عاما لم تحققا النتائج المرجوة، مستبعدا أن تخاطر موسكو أو بكين بعلاقاتهما مع الولايات المتحدة من أجل طهران، في ظل محدودية تجارتهما مع إيران مقارنة بعلاقاتهما الاقتصادية مع دول المنطقة والخليج.