كشف تقرير جديد أن جهاز الخدمة السرية الأميركي واجه على مدى سنوات حوادث أمنية مرتبطة بطائرات مسيّرة، دون أن يحدّث سياساته لمواجهة استخدام المدنيين لها أو يوثّق أسباب عدم إجراء تلك التغييرات.
وأوضح أن هناك ثغرة أمنية تم الكشف عنها مؤخرا، عندما استخدم توماس ماثيو كروكس طائرة مسيّرة لاستطلاع موقع تجمع انتخابي لدونالد ترامب في بتلر بولاية بنسلفانيا، قبل أن يصعد إلى سطح مبنى ويطلق النار على المرشح الرئاسي آنذاك.
وبين تحذيرات لم تتحول إلى إجراءات وثغرات ظلت قائمة لسنوات، يطرح التقرير سؤالًا يتجاوز محاولة اغتيال ترامب نفسها: هل كان من الممكن اكتشاف الخطر مبكرًا لو تعلمت الخدمة السرية من الحوادث السابقة؟
وفي التفاصيل التي ذكرها التقرير، أن المسيرة حلقت لنحو 11 دقيقة فوق منطقة التجمع، وساعدت توماس ماثيو كروكس، وفق تقرير رقابي حكومي أميركي، في اختيار موقع يوفر له مجالاً لإطلاق النار على ترامب.
لكن المفاجأة التي يكشفها التقرير ليست أن المسيرة استُخدمت في الهجوم، بل أن جهاز الخدمة السرية كان قد واجه الخطر نفسه مراراً على مدى نحو 9 سنوات، من دون أن يحدث سياساته لمعالجة الحوادث الناجمة عن استخدام المدنيين للمسيرات.
إنذارات بدأت مع أوباما
تعود أولى الإشارات التي وثقها مكتب المحاسبة الحكومي الأميركي إلى ديسمبر 2015.
كان الرئيس الأسبق باراك أوباما عائداً من جولة غولف في هاواي عندما لامست مسيرة مدنية موكبه عن غير قصد.
وبعد أقل من عام، ظهر الإنذار مجددا، ففي مايو 2016، حلق شخص بمسيرة على ارتفاع نحو 200 قدم، أي قرابة 60 مترا، فوق حشد خلال تجمع انتخابي لبيرني ساندرز في سان خوسيه بولاية كاليفورنيا.
ثم جاءت مراسم تنصيب جو بايدن في يناير 2021، إذ رصد عناصر الخدمة السرية عدة مسيرات قبل وصول بايدن، ولم يعرفوا في البداية أنها طائرات مصرحاً بها تابعة للجمارك وحماية الحدود.
عدلت الخدمة السرية حينها سياسة لتحديد الجهة المسؤولة داخل الجهاز عن إجراءات مكافحة المسيّرات، لكنها لم تُدخل تحديثاً يعالج الخطر الناجم عن استخدام المدنيين لها.
ثم جاءت بتلر
في 13 يوليو 2024، لم تعد المسيرة مجرد جسم طائر يقترب من موكب أو تجمع سياسي.
استخدم كروكس مسيرته لاستطلاع منطقة تجمع ترامب في بتلر، قبل أن يصعد لاحقا إلى سطح مبنى خارج المحيط الأمني ويطلق النار.
أصابت إحدى الرصاصات ترامب في أذنه، وأصيب شخصان آخران، فيما قتل أحد المشاركين في التجمع، قبل مقتل كروكس.
ويرى مكتب المحاسبة الحكومي أن توثيق أسباب عدم تغيير السياسات بعد حوادث 2015 و2016 و2021 كان يمكن أن يوفر معلومات مهمة خلال المراجعات اللاحقة، وربما يكشف بصورة أوضح الاتجاه المتصاعد لاستخدام المسيّرات في الحوادث الأمنية قبل هجوم بتلر. ولا يقول التقرير إن تحديث السياسة كان سيمنع محاولة الاغتيال، وهي نقطة مهمة في عرض نتائجه بدقة.
83 حادثاً.. والتغيير بعد 25
وتكشف الأرقام أن المشكلة أوسع من المسيرات.
راجع مكتب المحاسبة الحكومي 83 حادثا أمنيا تعاملت معها الخدمة السرية بين العامين الماليين 2015 و2025، ووجد أن الجهاز أجرى تغييرات على سياسات الحماية عقب 25 حادثاً منها فقط.
ولا يعني ذلك أن الحوادث الـ58 الأخرى كانت تستوجب تعديلاً بالضرورة. المشكلة، وفق التقرير، أن قواعد الجهاز لم تكن تلزم المسؤولين بتوثيق سبب إبقاء السياسة كما هي عندما يقررون أن الحادث لا يتطلب تغييرا.
كما وجد التدقيق أن 8 من أصل 22 سياسة حماية لم تُراجع أو تُحدّث خلال المهلة المطلوبة البالغة أربع سنوات.
والأكثر إثارة أن مذكرة تفاهم رئيسية بين الخدمة السرية وجهاز الأمن الدبلوماسي بوزارة الخارجية، تحدد مسؤولياتهما في حماية المسؤولين خلال السفر، لم تُحدّث منذ عام 1991.
عندما تسبق التكنولوجيا اللوائح
بعد محاولة اغتيال ترامب بدأت التغييرات تتسارع، وأنشأت الخدمة السرية في 2025 قسماً جديداً للجاهزية الوقائية، وأصدرت في فبراير 2026 إرشادات لمراجعة الحوادث بصورة مستمرة بحثاً عن المخاطر المتكررة.
لكن تقرير مكتب المحاسبة الحكومي يترك وراءه مفارقة لافتة: التكنولوجيا التي ساعدت مهاجم ترامب في استطلاع موقعه عام 2024 كانت قد ظهرت أمام أعين حراسه منذ 2015.
تغيرت المسيّرات بسرعة، وانتقلت من هواية مدنية إلى أداة يمكن استخدامها في الاستطلاع والتهديد، بينما ظلت بعض اللوائح الأمنية تتحرك بوتيرة أبطأ.
وفي عالم الحماية الرئاسية، قد تكون المسافة بين الاثنين هي الثغرة الأخطر.