تجاوزت تجربة جورجيا ميلوني في الحكم الإيطالي نمط الحكومات التي تسقط سريعا تحت ضغط الانقسامات، لتتحول إلى نموذج يمزج بين خطاب يميني متشدد وممارسة سياسية أكثر محافظة وبراغماتية، وفق قراءة الكاتب والباحث السياسي زاهي علاوي.
وقال علاوي، خلال حديثه إلى "التاسعة" على سكاي نيوز عربية، إن ميلوني رسخت موقعها عبر الحفاظ على تماسك حزبها وإقصاء خصومها والاستفادة من ضعف المعارضة، بالتوازي مع توظيف ملف الهجرة والخطاب القومي وتعزيز حضور روما داخل الاتحاد الأوروبي.
يمين متشدد بصيغة أكثر محافظة
وصف علاوي ميلوني بأنها "المرأة الحديدية" التي تمكنت من الإمساك بالحكم وإدارته عبر تحقيق توازن بين مواقفها اليمينية المتشددة والانتقال بها إلى صيغة محافظة، من دون التخلي عن الأهداف التي وضعتها منذ البداية.
وأشار إلى أن صعودها جاء بعد صراع سياسي طويل ارتبط خصوصا بمواقفها الصارمة من الهجرة، لكنها نجحت، وفق تقييمه، في ملفات أخرى ولم تحصر خطابها السياسي في قضية المهاجرين.
واعتمدت ميلوني على خطاب يضع إيطاليا في مركز المشهد بدلا من التركيز على شخصها أو حزبها. واستشهد علاوي بتعاملها مع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إذ شددت على أنها "لن تتوسل لأحد"، ضمن خطاب قومي يكرر التأكيد أن "الشعب الإيطالي" و"إيطاليا دائما في المقدمة".
الهجرة والبطالة تعززان الشعبية
يرى علاوي أن ميلوني استفادت من تحول السياسات الأوروبية تجاه الهجرة نحو مزيد من التشدد وسن قوانين أكثر صرامة. ووضع ذلك في سياق صعود اليمين المتطرف في أوروبا، الذي استثمر الخوف من الهجرة غير الشرعية واللجوء، ولا سيما القادمين من دول عربية وإسلامية مثل سوريا وأفغانستان والعراق.
وإلى جانب الهجرة، أشار علاوي إلى تراجع معدل البطالة خلال عهد ميلوني من 7 بالمئة إلى نحو 5 بالمئة، أو إلى أقل من 6 بالمئة، معتبرا أن هذا التحسن يمثل رقما مهما في إيطاليا، رغم بقاء الأجور عند مستوياتها السابقة.
معارضة مفككة وحزب متماسك
ربط علاوي استمرار حكومة ميلوني بضعف المعارضة الإيطالية وتفككها، معتبرا أنه لا توجد قوة معارضة قادرة على استبدال الحكومة الحالية. وقال إن ذلك منح التحالف الحاكم مساحة للاستمرار، وقد يتيح لميلوني مواصلة مسيرتها في الحكم.
وأضاف أن ميلوني نجحت في إقصاء خصومها الداخليين والحفاظ على تماسك حزبها والنهج الذي اتبعته منذ البداية، بالتوازي مع التمسك بالقيم الأوروبية والحلفاء الأوروبيين.
ويرى علاوي أن اختيار ميلوني المؤسسات الأوروبية لتكون وجهتها الأولى خارج إيطاليا لم يكن مصادفة، في وقت توقع فيه كثيرون ألا تصمد حكومتها عاما واحدا. لكنها فاجأت خصومها، بحسب وصفه، ببراغماتيتها وتعديل نهجها الرافض، خصوصا تجاه الاتحاد الأوروبي وسياسات الهجرة.
وتمكنت ميلوني، وفق علاوي، من إقناع الأوروبيين بأنها جزء من النسيج والوحدة الأوروبيين، مع تمسكها بوحدة إيطاليا ومصالح شعبها. وأشار إلى أن خطابها الشعبوي ظهر في انتقادها الأخير لرئيس الوزراء الإسباني عقب موجات الهجرة القادمة من المغرب، ومطالبتها بإخراج إسبانيا من اتفاقية شنغن.
واشنطن من دون إملاءات
حاولت ميلوني في البداية تقديم نفسها جسرا بين أوروبا والولايات المتحدة، خصوصا مع وجود ترامب في الحكم، لكنها اعترفت، وفق علاوي، بخطئها في تقدير قدرتها على التعامل معه.
ومع ذلك، حافظت على علاقتها بواشنطن ورفضت الإملاءات الأميركية، متمسكة باستقلال القرار الإيطالي وتناسقه مع الموقف الأوروبي.
ويرى علاوي أن رسالتها للداخل الإيطالي والأوروبي تقوم على أن العلاقة مع الولايات المتحدة لن تكون على حساب إيطاليا أو الاتحاد الأوروبي.
ويخلص علاوي إلى أن ميلوني تطمح إلى دور أوسع داخل أوروبا، مستفيدة من المشكلات الاقتصادية والسياسية وتراجع شعبية الحكومات في فرنسا وألمانيا.
ويرى أنها تقدم نفسها بوصفها شخصية قادرة على جمع أحزاب الائتلاف ومواجهة المعارضة ودفع إيطاليا إلى التأثير في قرار الاتحاد الأوروبي وقيادة الرأي الأوروبي خلال المرحلة المقبلة.