تتجه إيطاليا إلى تشديد الرقابة على المساجد والجمعيات الدينية والتمويل القادم من الخارج، ضمن مشروع قانون جديد يفتح للمرة الأولى بصورة مباشرة ملف المؤسسات التي يشتبه في ارتباطها بفكر الإخوان المسلمين.

ويعمل حزب "الرابطة"، أحد أحزاب الائتلاف الحاكم، على إعداد حزمة تشريعية ستقدم بحضور زعيمه ماتيو سالفيني، وتهدف إلى إخضاع المؤسسات الدينية التي لا ترتبط باتفاق رسمي مع الدولة لسجلات مالية وإدارية أكثر صرامة.
ولا تقترح المسودة حظر الإخوان أو تصنيف الجمعيات الإسلامية منظمات إرهابية، لكنها تستهدف الأدوات التي تقول مصادر الحزب إن الجماعة تستخدمها لبناء نفوذها: التمويل الخارجي، وإدارة أماكن العبادة، واختيار الأئمة، والعمل من خلال جمعيات مستقلة قانونيا.
وتتضمن الحزمة إنشاء سجل وطني للمؤسسات الدينية، وإلزامها بنشر ميزانياتها وكشف مصادر أموالها، إلى جانب إنشاء سجل للأئمة ووزراء الأديان، ومنح وزارة الداخلية والمحافظين صلاحيات أوسع لمراقبة أماكن العبادة والأنشطة التي تنظم فيها.
كما تستحدث جريمة يعاقب عليها بالسجن من سنة إلى خمس سنوات، مع الحرمان من الوظائف العامة، لمن ينشر داخل مؤسسة دينية تعاليم مخالفة للنظام القانوني، أو يحرض على الكراهية، أو يروج لنهج متطرف.
وقالت مصادر تعمل على المشروع لوكالة "أدنكرونوس"⁠ إن جزءا من التدفقات المالية الخارجية موضع التدقيق يمكن ربطه بالإخوان المسلمين.

أخبار ذات صلة

لقربها من الإخوان.. النمسا تنهي التعاون مع منظمة "ديراد"
صحيفة كندية: شبكات الإخوان تتغلغل في مؤسسات الدولة

 فراغ قانوني

يقول حزب "الرابطة" إن المشروع يهدف إلى سد فراغ قانوني سمح بظهور مؤسسات وأماكن عبادة ووعاظ خارج إطار واضح من الرقابة والمسؤولية.
وينص الدستور الإيطالي على إمكان تنظيم العلاقة بين الدولة والديانات غير الكاثوليكية من خلال اتفاقات خاصة. لكن المسلمين لم يتمكنوا من الوصول إلى اتفاق شامل، بسبب تعدد الجمعيات وتنافسها على التمثيل، والخلاف بشأن التمويل والأئمة والجهة التي يحق لها التحدث باسم مسلمي البلاد.
وجاءت الحزمة الجديدة بعد مشروع قدمه حزب "إخوة إيطاليا"، بقيادة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في أكتوبر 2025 لمواجهة ما سماه "الانعزال الثقافي". وتضمن تشديد الرقابة المالية على المؤسسات الدينية التي لا تملك اتفاقا رسميا مع الدولة، بحسب رويترز⁠.

شبكة بلا اسم

لا يوجد في إيطاليا فرع معلن ومسجل باسم "الإخوان المسلمين". وتظهر الجماعة في الدراسات المتخصصة بوصفها بيئة فكرية وشبكة من العلاقات الشخصية والمؤسساتية، أكثر من كونها تنظيما واحدا يعمل تحت قيادة معلنة.
وتعود جذور هذه البيئة إلى أواخر الستينيات، عندما أسس طلاب قدموا من سوريا والأردن وفلسطين "اتحاد الطلبة المسلمين في إيطاليا"، المعروف باسم "USMI"، في بيروجيا ومدن جامعية أخرى.
ويقول الباحث الإيطالي لورينزو فيدينو إن الاتحاد كان قريبا من فكر الإخوان، وعمل على نشر مؤلفات لشخصيات في الإسلام السياسي، وربط النشاط الديني ببناء وعي سياسي لدى الطلاب المسلمين.
ومع اتساع الهجرة من شمال أفريقيا، شارك الاتحاد عام 1990 في تأسيس "اتحاد الجاليات والمنظمات الإسلامية في إيطاليا"، المعروف باسم "UCOII". وتصف دراسة لفيدينو⁠ الاتحاد بأنه أبرز مؤسسة خرجت من البيئة الإيطالية المتأثرة بالإخوان.
وتطور الاتحاد إلى مظلة تضم جمعيات ومساجد ومراكز ثقافية ومؤسسات للشباب والنساء وتعليم العلوم الإسلامية. وينفي أن يكون فرعا للإخوان، ويقدم نفسه منظمة إيطالية مستقلة تعمل على دمج المسلمين والدفاع عن حقوقهم.
كما لا توجد أحكام قضائية إيطالية تثبت أن "UCOII"، بوصفه مؤسسة، جزء من تنظيم الإخوان أو ارتكب جرائم لحسابه.
لكن الدراسات ترصد أسلوبا يقوم على توزيع الأنشطة بين كيانات مستقلة قانونيا: مظلة للمساجد، وجمعيات للشباب، ومراكز للتعليم، وبرامج لتأهيل الأئمة، ومؤسسات للعمل الإنساني. وتجمع بينها قيادات وفعاليات وشراكات ومرجعيات فكرية، من دون أن تعمل جميعها تحت اسم تنظيمي واحد.

أخبار ذات صلة

شبكات الإخوان في كندا.. نفوذ يتسلل إلى قلب المؤسسات
ضغوط وحظر وانقسامات.. الإخوان "في أضعف مراحل التنظيم"

 من جمعية طلابية إلى شريك للدولة

تكمن فاعلية هذا الأسلوب، بحسب الدراسات الغربية، في الانتقال التدريجي من العمل الطلابي والمحلي إلى موقع يسمح بالتحدث باسم قطاع من المسلمين والتعامل مباشرة مع الدولة.
ففي نوفمبر 2015، وقعت إدارة السجون في وزارة العدل اتفاقا مع "UCOII"، يسمح لأئمة يرشحهم الاتحاد بدخول السجون وتقديم الإرشاد الديني للمعتقلين المسلمين. وجدد الاتفاق عام 2020 بوصفه وسيلة لحماية حرية العبادة ومواجهة التطرف، وفق وزارة العدل الإيطالية⁠.
كما شارك الاتحاد في هيئات استشارية تابعة لوزارة الداخلية، ووقع عام 2017 "الميثاق الوطني للإسلام الإيطالي"، الذي ألزم الجمعيات برفض التطرف، وتشجيع استخدام اللغة الإيطالية في الخطب، وتعزيز الشفافية بشأن التمويل.
وهنا تظهر حساسية الملف الإيطالي: بعض المؤسسات التي تخضع اليوم للتدقيق سبق أن حصلت على موقع داخل الحوار الرسمي، وشاركت في اختيار الأئمة والعمل داخل السجون وتمثيل جانب من المسلمين أمام السلطات.

التمويل يبني النفوذ

يمثل التمويل الخارجي أكثر جوانب الملف إثارة للقلق. فقد حصلت عشرات الجمعيات والمشروعات الإسلامية في إيطاليا على عشرات الملايين من اليوروهات، استخدمت في شراء مبان وتحويلها إلى مساجد ومراكز ثقافية، وفق تحقيقات نشرتها الصحافة الإيطالية.
ويؤكد مسؤولو الجمعيات أن الأموال معلنة، ووصلت عبر المصارف، واستخدمت لتوفير أماكن عبادة مناسبة بدلا من المستودعات والمصليات المؤقتة.
لكن التدقيق الجديد لا يتوقف عند مشروعية التحويلات، بل يشمل أثرها على إدارة المؤسسات، واختيار الأئمة، والمناهج، والجهات الخارجية المرتبطة بالمشروعات. فامتلاك مسجد أو مركز دائم يمنح الجمعية حضورا اجتماعيا يمتد سنوات، ويساعدها على تقديم الخدمات واستقطاب الشباب والتحدث باسم المسلمين أمام السلطات.

أخبار ذات صلة

أميركا تحاصر "تمويل الإخوان".. ضربة موجعة جديدة
عقوبات أميركية تطال قياديا في تنظيم الإخوان و 3 كيانات

 يقظة غربية متصاعدة

تتحرك إيطاليا في ظل مراجعة غربية أوسع لأساليب الإخوان في الوصول إلى المجتمعات والمؤسسات.
ففي بريطانيا، خلصت مراجعة حكومية⁠ إلى وجود تفاوت بين الخطاب الذي تقدمه الجماعة في الغرب ومواقفها في مناطق أخرى، واعتبرت الارتباط بها أو التأثر بأفكارها مؤشرا محتملا إلى التطرف يستدعي المتابعة.
وفي فرنسا، ركز تقرير نشرته وزارة الداخلية عام 2025 على ما سماه "الدخول المؤسسي"، من خلال الجمعيات والمدارس والمساجد والهيئات المحلية، بهدف اكتساب الشرعية والتأثير في القرارات العامة. ورفضت المؤسسات المذكورة في التقرير اتهامها بالعمل لمصلحة الإخوان.
أما في كندا، فأثار تقرير بحثي حديث نقاشا بشأن شبكات قال إنها استخدمت الجمعيات والجامعات والعمل المدني والحملات الانتخابية للوصول إلى المؤسسات العامة. ولم تتبن الحكومة الكندية استنتاجاته أو تصنف الإخوان منظمة إرهابية.
وفي النمسا، أنهت الحكومة تعاونها مع جمعية "ديراد"، العاملة في السجون ومكافحة التطرف، بعدما أعلن جهاز حماية الدولة وجود مؤشرات إلى تأثر شخصيات فاعلة داخلها بفكر الإخوان. ونفت الجمعية الاتهامات، فيما أكدت السلطات عدم وجود اتهامات جنائية ضدها.
ويبدأ التحرك الإيطالي من الخلاصة نفسها التي وصلت إليها هذه المراجعات: البحث عن نفوذ الإخوان لا يبدأ من لافتة تحمل اسم الجماعة، وإنما من تتبع المال والجمعيات والمساجد والتعليم، والجهات التي تتقدم تدريجيا لتمثيل المسلمين داخل مؤسسات الدولة.