تبدو المواجهة بين واشنطن وطهران عالقة في "متاهة التفاوض"، وسط غياب قرار يدفع المسار السياسي إلى الأمام، بينما تواصل الإدارة الأميركية الضغط الاقتصادي والتلويح بالخيار العسكري.

ويرى الخبير في الشؤون السياسية والعسكرية مهند العزاوي، خلال حديثه إلى "التاسعة" على سكاي نيوز عربية، أن الانقسام داخل إيران، خصوصا بين الواجهة السياسية والحرس الثوري، يعقد اتخاذ قرار بشأن الملف النووي، في وقت يزيد تدهور الأوضاع الاقتصادية الضغوط على الداخل الإيراني.

واشنطن تلوّح بكل الخيارات لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي

انقسام إيراني يعطل القرار

يصف العزاوي المشهد بأنه حالة من "الجمود السياسي والاستعصاء السياسي" بين واشنطن وطهران، موضحا أن الإدارة الأميركية تعتمد سياسة "النفس الطويل" من خلال العمليات العسكرية والضغط الاقتصادي، بينما لا يملك الإيرانيون، وفق تقديره، حلا واضحا بسبب الانقسام الداخلي.

ويضع العزاوي الحرس الثوري في مركز هذا الانقسام، باعتباره الطرف المتمسك ببقاء الوضع القائم وكسب الوقت، مستفيدا من أدوات الضغط التي تمثلها الفصائل في العراق ولبنان واليمن.

ويرى أن الزيارات المتكررة إلى إيران، ومنها زيارات وزير الخارجية العماني ورئيس الوزراء القطري، لم تتمكن من كسر هذه الحلقة، بسبب غياب قرار يتيح المضي في تفاوض مع الولايات المتحدة.

وبحسب العزاوي، لا يقتصر الصراع على الخلاف مع واشنطن، بل يمتد إلى تنافس على السلطة داخل إيران بين "الحرس القديم والجديد"، بما يجعل الطرف الذي يوقع تفاهما مع الولايات المتحدة أمام استحقاق داخلي يتعلق بموازين النفوذ والسلطة.

إيران.. مخاوف من فوضى بالشارع

انقسام أميركي ومتاهة نووية

يشير العزاوي إلى وجود انقسام داخل الإدارة الأميركية أيضا، إذ يتمسك نائب الرئيس جي دي فانس بالمسار الدبلوماسي، بينما يرى وزير الخارجية ماركو روبيو وفريقه أن هذا المسار مضيعة للوقت. وأضاف أن عددا كبيرا من أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب وصفوا المفاوضات بأنها عبثية.

ومع ذلك، يرى العزاوي أن الخيارات المستخدمة من الطرفين لا تزال نمطية ولا تقدم جديدا يمكن أن يقود إلى حل. ويصف "الإنزال الاقتصادي" بأنه مرحلة تسبق القرار العسكري، في ظل تعقيدات الملف النووي، بما يشمله من منشآت ومخزون نووي وأجهزة طرد مركزي.

كما أشار إلى منشأة "جبل فاس"، قائلا إن آثارا لتخصيب اليورانيوم رُصدت فيها، من دون أن تقدم إيران، وفق حديثه، إجابات بشأنها.

إيران.. عودة المساعي الدبلوماسية عبر الوسيط القطري

إيران على "العتبة النووية"

يشير العزاوي إلى تصريحات للحرس الثوري بشأن إمكانية إنتاج قنبلة نووية، معتبرا أن إيران أصبحت على "العتبة النووية"، ومذكرا بموقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي قال إن امتلاك طهران سلاحا نوويا كان سيقود إلى ضربه.

ويربط العزاوي طبيعة القرار الإيراني بالبيئة السياسية الداخلية وغموض وضع المرشد، معتبرا أن ذلك أدى إلى بروز قيادة الحرس الثوري بوصفها صاحبة نفوذ أساسي، في وضع وصفه بأنه انتقال إلى "جمهورية الحرس الثوري".

ويرى أن الحرس يتمسك بعقيدة القوة والنفوذ والإرباك، ويعتمد على الميليشيات والضربات الصاروخية بوصفها أدوات راسخة في بنية النظام، وهو ما يزيد صعوبة التوصل إلى قرار سياسي موحد.

واشنطن تعيد ترتيب أدواتها

يربط العزاوي التحركات الأميركية تجاه إيران بتنسيق أوسع مع روسيا، مشيرا إلى وجود خطوط اتصال بين موسكو وواشنطن خلال العمليات الكبرى. ويرى أن زيارة مسؤول أميركي إلى موسكو تتعلق، في تقديره، بإيران أكثر من أوكرانيا.

ويعتقد أن المرحلة المقبلة قد تشهد استخدام أدوات متعددة ضد طهران، من تكثيف الضغط وإحكام السيطرة على الحدود إلى التعامل مع أذرع إيران في العراق ولبنان، بالتوازي مع محاولات إقناعها بأن المسار السياسي أفضل من استخدام القوة الأميركية.

ويرفض العزاوي تفسير الاستنزاف الأميركي من زاوية استهلاك الذخائر وحدها، لافتا إلى أن الولايات المتحدة تعيد هيكلة قدراتها التصنيعية وأساليب الحرب، من خلال توسيع الاعتماد على المسيّرات والوسائل الأقل كلفة.

واشنطن تلوّح بكل الخيارات لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي

هل تندلع "ثورة البنزين"؟

يضع العزاوي الوضع الاقتصادي في قلب المواجهة، معتبرا أن الحصار الممتد لنحو أربعة أشهر أضعف القدرة على إدارة الاقتصاد والمعيشة في الداخل الإيراني، بالتزامن مع استمرار ما وصفه بـ"اقتصاد القوة".

ويشير إلى طوابير البنزين بوصفها مؤشرا شديد الحساسية، نظرا إلى ارتباط الوقود بتفاصيل الحياة اليومية، ما يدفعه إلى التحذير من احتمال اندلاع "ثورة البنزين" في إيران.

وفي المحصلة، يرى العزاوي أن الهدف الأميركي الرئيسي هو إخضاع إيران، سواء عبر تبديل النظام أو إخضاعه، مع احتمال تجنب واشنطن الإعلان المباشر عن هدف تغيير النظام.

ويصف الظروف الداخلية الإيرانية بأنها "متعبة"، مستشهدا بتدهور القدرة المعيشية، وما أورده عن أن راتب الضابط في الجيش الإيراني لا يتجاوز نحو 180 دولارا شهريا. وبين ضغط الاقتصاد وانقسام مراكز القرار، تبقى المفاوضات معلقة، فيما يظل الخيار العسكري حاضرا في خلفية المواجهة.