يتخذ التنافس الإسرائيلي التركي في سوريا منحى أكثر حساسية، مع انتقال الخلاف من التصريحات السياسية إلى الحديث عن تموضع عسكري ومصالح أمنية متعارضة، وسط تحذيرات من أن التصعيد الكلامي قد يقود إلى مواجهة لا يريدها الطرفان.

وخلال سجال في الظهيرة على سكاي نيوز عربية، رأى الكاتب والباحث السياسي إيلي نيسان أن نشر تركيا دفاعات جوية ورادارات داخل سوريا قد يشكل خطرا استراتيجيا على إسرائيل ويحد من حرية حركة طائراتها.

في المقابل، رفض الباحث في العلاقات الدولية مهند حافظ أغلو وصف التحركات الإسرائيلية بأنها "دفاع عن النفس"، محذرا من استخدام المفهوم لتبرير الضربات الاستباقية.

سوريا تشعل جبهة نفوذ جديدة بين إسرائيل وتركيا

ورغم حدة الخلاف، اتفق الطرفان على أن إسرائيل وتركيا لا تريدان الانزلاق إلى حرب مباشرة، لكنهما اختلفا بشأن طبيعة التحركات العسكرية وأهدافها، وحدود القوة التي يستطيع كل طرف استخدامها داخل الأراضي السورية.

الرادارات التركية وحرية الطيران

يربط نيسان جوهر التوتر بمحاولات تركيا، وفق قراءته، تثبيت موطئ قدم عسكري لها في سوريا، مشيراً إلى أن إسرائيل تنظر إلى هذا التموضع باعتباره خطراً على مصالحها الأمنية.

ويقول إن الطائرات الإسرائيلية التي تستهدف مواقع داخل إيران تمر عبر الأجواء السورية، ما يجعل نشر دفاعات جوية ورادارات تركية عاملا يمكن أن يفرض قيوداً على حرية حركة سلاح الجو الإسرائيلي، وهو أمر يرى أن تل أبيب لن تقبله.

ويقدر نيسان أن تركيا تسيطر على نحو 5% من الأراضي السورية، فيما يصل الوجود الإسرائيلي إلى نحو خمس مساحة البلاد. لكنه يقدم التحرك الإسرائيلي باعتباره مرتبطا بالدفاع عن النفس، وليس بالسعي إلى تحقيق مكاسب توسعية.

وبحسب نيسان، أبلغت إسرائيل الولايات المتحدة بخطوطها الحمراء، بعدما دفعتها تجربة هجوم السابع من أكتوبر 2023 إلى تغيير طريقة تعاملها مع التهديدات.

ويقول إن تل أبيب لم تعد مستعدة لانتظار الطرف الآخر حتى يتهيأ للهجوم، بل أصبحت تأخذ زمام المبادرة تحت عنوان الدفاع عن النفس.

وفي معرض رده على حافظ أغلو، استعاد نيسان تاريخ العلاقات بين إسرائيل والجيش التركي، واصفا إياها بأنها كانت ودية قبل أن تتوتر بعد وصول رجب طيب أردوغان إلى الحكم. كما أشار إلى لقاء سابق جمع أردوغان والرئيس الإسرائيلي الراحل شمعون بيرس في سويسرا، بوصفه مؤشرا على مرحلة مختلفة من العلاقات.

مخاوف إسرائيلية من تنامي الوجود العسكري التركي في سوريا

آلية لمنع الاحتكاك

يشدد نيسان على أن تركيا وإسرائيل لا تريدان خوض حرب مباشرة، مستندا إلى عضوية أنقرة في حلف الناتو، وتحالف إسرائيل مع الولايات المتحدة.

ويتحدث عن رغبة لدى الولايات المتحدة وإسرائيل وسوريا وتركيا في إنشاء آلية خاصة لمنع الاحتكاكات، معتبرا أن المواجهة العسكرية لن تحقق فائدة لأي من الجانبين.

لكنه يرى أن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس ضد تركيا جاءت رداً على ما وصفه بتحريض أردوغان وإصداره أوامر باعتقال نتنياهو وقادة إسرائيليين.

وفي ما يتعلق بالإنتربول، يرفض نيسان مساواة الخطوة التركية بما صدر عن المحكمة الجنائية الدولية، قائلا إن المنظمة الدولية للشرطة الجنائية لا تتدخل في القضايا السياسية والأمنية، وإن القرار التركي يمثل، وفق رأيه، خطوة إعلامية يقتصر أثرها على الأراضي التركية.

خلاف حول "الدفاع عن النفس"

في المقابل، يرى حافظ أغلو أن إسرائيل أصغر من أن تدخل في مواجهة مباشرة مع تركيا، ليس فقط بسبب عضوية أنقرة في حلف الناتو، بل أيضا بفعل القوة العسكرية والسياسية التي تمتلكها تركيا.

ويعترض على وصف الضربات الإسرائيلية بأنها دفاع عن النفس، موضحا أن هذا المفهوم يفترض تعرض الدولة لهجوم مباشر، بينما ترتبط التحركات الإسرائيلية، وفق قراءته، بضربات استباقية ورسائل موجهة إلى الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات.

سوريا ساحة صراع نفوذ.. محطات التصعيد بين تركيا وإسرائيل

ويحذر من أن تكرار مفهوم الدفاع عن النفس إعلاميا قد يرسخ تصورا بأن إسرائيل تتعرض لهجوم من دول عدة، وأن عملياتها العسكرية لا تتجاوز حدود الرد على تلك الهجمات.

ويرى حافظ أغلو أن تحقيق السلام يتطلب من إسرائيل زيادة عدد شركائها وحلفائها ومد يدها إلى الدول المحيطة، بدلا من الاستعداد لمواجهة دول لا تشكل، بحسب طرحه، تهديدا مباشرا.

صراع مشاريع داخل سوريا

لا ينظر حافظ أغلو إلى المواجهة داخل سوريا باعتبارها صراع نفوذ فقط، بل يصفها بأنها صراع بين مشروع للاستقرار والسلام وآخر يقوم على الاحتلال والتوسع.

ويربط التوتر الإقليمي بإيران وإسرائيل، معتبرا أن تغيير الحكومة الإسرائيلية قد يشكل مدخلا لإعادة صياغة سياستها الخارجية وعلاقاتها بالدول المحيطة.

وفي سجاله مع نيسان، قال حافظ أغلو إن مذكرة اعتقال نتنياهو جاءت بعد الهجوم الإسرائيلي على أبو الظهور، متهما نيسان بتقديم تسلسل غير دقيق للأحداث.

ويرد نيسان بأن الخط الأحمر الإسرائيلي يشمل كل ما تعتبره تل أبيب تهديدا لأمنها، مؤكدا أنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه المخاطر. لكنه يجدد تأكيده أن مواجهة تركيا ليست هدفا إسرائيليا، محذرا من أن استمرار التموضع التركي ونشر الرادارات والدفاعات الجوية قد يدفع التوتر إلى مستوى أكثر خطورة.

استهداف مطار أبو الظهور يفاقم التوتر بين إسرائيل وتركيا