في وقت تتصاعد فيه التكهنات بشأن مصير المفاوضات الأميركية الإيرانية حول مضيق هرمز، قدم كبير الباحثين في المجلس الأطلسي بواشنطن، الدكتور سمير التقي، قراءة تشير إلى أن المشهد أكثر تعقيداً مما تعكسه التصريحات الرسمية المتفائلة.
وفي حديثه إلى "التاسعة" على سكاي نيوز عربية، رسم التقي صورة لموقف أميركي متشدد يرفض أي شكل من أشكال السيادة الإيرانية على الممر المائي الأكثر حساسية في العالم، محذراً من أن ما يجري حالياً لا يتجاوز كونه محاولة لكسب الوقت، فيما تبقى "اليد على الزناد" لدى جميع الأطراف.
واشنطن: لا سيادة إيرانية على المضيق
وأوضح التقي أن المرحلة الراهنة تتسم بقدر كبير من الغموض، إذ يبقى السؤال الأساسي: هل يمكن أن تقبل واشنطن بسيطرة إيران الاستراتيجية على الخليج عبر مضيق هرمز؟ ورأى أن الموقف الأميركي، وإن لم يتحول بعد إلى سياسة معلنة، بات واضحاً في رفضه القاطع لأي تحكم إيراني بالمضيق.
وأضاف أن سلطنة عُمان لا تُنظر إليها في واشنطن باعتبارها مخرجاً يحفظ ماء وجه طهران، بعدما حولت إيران ملف هرمز إلى بديل عملي عن الملف النووي.
وأشار إلى أن إعادة فتح المضيق وفق الطرح المتداول ستسحب من إيران كثيراً من أوراق الضغط، إلا أن السفن ستظل معرضة لهجمات الحرس الثوري حتى مع اعتماد مسارين ملاحيين منفصلين، أحدهما إيراني والآخر عُماني.
"هدنة بين حربين" لا اتفاق دائم
ووصف التقي الجهود العُمانية بأنها محاولة للتوفيق بين موقفين متباعدين، في ظل تشدد أميركي متزايد تجاه أي صيغة تمنح إيران مستوى من السيادة، معتبراً أن هذا الموقف أصبح من ثوابت الإدارة الأميركية.
ورأى أن ما يجري عملياً ليس سعياً إلى اتفاق نهائي، بل محاولة لتأجيل المواجهة عبر ما سماه "هدنة بين حربين"، ترتبط بمدى قبول طهران باتفاق مؤقت لمدة 60 يوماً.
وأكد أن الاتفاق الإطاري الذي طُرح سابقاً في سويسرا لم يعد مطروحاً، وأن كل ما يدور حالياً يهدف إلى شراء الوقت بانتظار تغير في الموقفين الأميركي أو الإيراني.
وأضاف أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إذا خلص إلى أن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود وأن إيران غير مستعدة لتقديم تنازلات حقيقية في الملف النووي، فسيبقي "يده على الزناد"، مستشهداً في ذلك بالتحركات العسكرية الأميركية التي تجمع بين خفض مستوى الاستنفار من جهة، وإرسال قوة عسكرية جديدة إلى المنطقة من جهة أخرى.
أزمة ثقة تعرقل التفاوض
واعتبر التقي أن جوهر الأزمة يتمثل في غياب مؤشرات على استعداد إيران للاستجابة لأولويات ترامب، سواء فيما يتعلق بمضيق هرمز أو بالبرنامج النووي، بما يشمل التخصيب وبنية البرنامج ككل.
وأشار إلى وجود تباين واضح بين خطاب الدبلوماسيين الإيرانيين ومواقف الحرس الثوري، وهو ما أدى، بحسب وصفه، إلى تآكل الثقة، بحيث لم يعد ترامب يولي أهمية كبيرة لما يطرحه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.
كما لفت إلى وجود غموض يتعلق بآلية اتخاذ القرار داخل إيران، في ظل مطالبة واشنطن بإثبات وجود جهة تمتلك القرار النهائي.
واعتبر أن الحديث عن "مصلحة النظام" لا يكفي لاتخاذ قرارات استراتيجية وفق الدستور الإيراني، في ظل عدم وضوح موقع السلطة الفعلية.
وأضاف أن المهلة الأخيرة التي حُددت ثم جرى التراجع عنها جزئياً لم تصدر عن المسار الدبلوماسي أو عن البيت الأبيض، وإنما عن الجيش الأميركي، الذي أعلن جاهزيته للتحرك في موعد محدد.
نتنياهو يعزز التفاهم مع ترامب
وفي قراءته لزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، وصفها التقي بأنها "ناجحة"، موضحاً أنها أسفرت عن اعتبار ملفات هرمز والصواريخ قضايا إقليمية تُترك للقوى الإقليمية، فيما يبقى الملف النووي محور التفاهم الأساسي مع إدارة ترامب، مع إمكانية بحث ملف الصواريخ دون أن يكون شرطاً رئيسياً لأي اتفاق.
وأضاف أن إسرائيل تراهن على استمرار التشدد الإيراني وسوء إدارة طهران للمفاوضات، معتبراً أن إيران، رغم ما يوصف بمهارتها التفاوضية، لم تنجح حتى الآن في طرح حلول تفضي إلى توافق طويل الأمد يريده ترامب.
وأشار إلى أن نتنياهو يراهن أيضاً على أن التحولات الجوهرية داخل إيران لم تحدث بعد، وأن ترامب سيواصل الالتزام بالتفاهمات التي جرى التوصل إليها، في وقت تستعد فيه قوى إقليمية مختلفة لأي تطورات داخلية محتملة في إيران.
وختم التقي بالقول إن إسرائيل تعتقد أن دول الخليج، إلى جانب مصر وسوريا ولبنان، لن تقبل بأن تصبح رهينة لابتزاز استراتيجي إيراني دائم، مؤكداً أن تل أبيب ترى نفسها قادرة على توجيه ضربة "غير قابلة للارتداد" إذا تجددت العمليات العسكرية، وهو ما يفسر، بحسب رأيه، ارتياحها للتفاهمات التي خرجت بها زيارة نتنياهو الأخيرة إلى واشنطن.