رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب التراجع عن توجيه ضربة عسكرية كانت تستهدف إيران، لم يغادر التوتر المشهد الإقليمي، بل انتقل إلى ساحة أكثر تعقيداً هي طاولة التفاوض والشروط المتبادلة.

فبينما تربط واشنطن تجنب التصعيد باتفاق سريع يضمن فتح مضيق هرمز وإنهاء ما تعتبره تهديدا نوويا إيرانيا، تنفي طهران أي تغيير جوهري في موقفها من المضيق، وسط تضارب في الأنباء بشأن تفاهمات يُحكى عن جريانها عبر وسطاء إقليميين.

وبين هذا وذاك، يبقى السؤال معلقاً: هل يشكل إلغاء الضربة نقطة انطلاق نحو تسوية سياسية شاملة، أم أنه مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من التصعيد؟ ثلاثة خبراء تحدثوا إلى غرفة الأخبار على "سكاي نيوز عربية" حاولوا الإجابة عن هذا السؤال من زوايا متقاطعة.

واشنطن وطهران.. ماذا بعد إلغاء الضربة؟

حرب التكتيكات المنسدلة وضبابية الموقف الإيراني

يرى الخبير في الشؤون السياسية والعسكرية مهند العزاوي أن ما يجري حالياً هو إدارة للاندفاع الأميركي عبر وساطات إقليمية واتصالات رفيعة المستوى تحاول ثني ترامب عن استخدام القوة، مؤكداً أن سيناريو "التهديد تحت الضغط" أو "التفاوض تحت الضغط" تكرر من ترامب نحو 5 أو 6 مرات، وهو ما يجعل احتمال وقوع عمليات عسكرية فعلية مستبعداً في المدى القريب، مع بقاء الباب مفتوحاً أمامها إذا استمر الاستعصاء السياسي.

ويصف العزاوي المشهد الإيراني بأنه ينطوي على "تبادل أدوار" بين وزير الخارجية عباس عراقجي الذي يتحدث عن اتفاق قريب بشأن هرمز، والرئيس مسعود بزشكيان الذي يشير إلى العودة لمذكرة التفاهم، بينما لا يزال الحرس الثوري ممسكاً بزمام القرار وبانتظار أسلحة قادمة من الصين لإعادة التموضع.

ويشدد على أن الصورة الإيرانية "ضبابية"، إذ يتحدث الإعلام بشيء والسياسيون بشيء آخر والبرلمانيون والحرس الثوري بشيء ثالث، في وقت تعيش فيه واشنطن انقساماً موازياً بين تيار نائب الرئيس جي دي فانس وتيار وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي لاحظ العزاوي أن خطابه بشأن تغيير النظام تراجع تحت ضغط الإدارة.

وبشأن مضيق هرمز، يوضح العزاوي أنه "يعطل ولا يغلق إغلاقا كاملا"، في ظل حصار أميركي أدى إلى ثني نحو 40 إلى 50 سفينة عن الدخول إليه، متسائلاً عن قدرة إيران على الصمود أمام هذا الحصار رغم الإمداد اللوجستي القادم من روسيا والصين وباكستان.

ويخلص إلى أن الإيرانيين نجحوا حتى الآن في تحويل مسار النقاش من الملف النووي إلى قضية المضيق، وفي كسب الوقت لإعادة ترميم جانبهم العسكري واللوجستي.

التهديد كأداة تفاوض.. كيف يدير ترامب أزمة إيران؟

واشنطن.. خيارات ضيقة وتفاوض بالنار لا يتغير

من زاوية أميركية، يرى كبير الباحثين في المجلس الأطلسي سمير التقي أن المشكلة الجوهرية تكمن في أن ترامب "لا يتغير"، وسيبقى يفاوض بالنار عبر ضربات متقطعة يعقبها تفاوض، معتقداً أن هذا الأسلوب قد يحقق اختراقاً في الموقف الإيراني.

ويؤكد التقي أن القناعة السائدة في واشنطن هي أن إيران لم تغير موقفها لا من هرمز ولا من الملف النووي، مستدلا بإصرارها على العودة إلى "وثيقة تفاهم" سابقة، وبعدم وجود أي مؤشر على استعدادها للتخلي عن التخصيب بنسبة 60% أو قبول تفتيش واسع ودائم لمواقعها.

ويشير التقي إلى أن العامل الرئيسي وراء تأجيل الضربة لم يكن الوعود الإيرانية، بل تدخل عامل إقليمي سعى لإعطاء فرصة للدبلوماسية عبر ضغط دول الجوار على طهران لتقديم تنازلات، مستدركاً أنه غير متفائل بنتيجة ذلك.

ويضيف أن خيارات ترامب باتت "ضيقة جداً"، خصوصاً أن الضربات الأميركية تُنفَذ من دون كلفة بشرية أو اقتصادية كبيرة، وأن أي تفاهم عماني–إيراني بشأن هرمز يُعدّ "باطلاً" من المنظور الأميركي إذا لم تقبل واشنطن بإلزامية الرسوم المفروضة على السفن، محذراً من أن أي هجوم إيراني على سفينة لم تدفع الرسوم لن يمنحه أي غطاء قانوني.

ويختم بالإشارة إلى تنسيق عسكري وأمني كبير بين إسرائيل والولايات المتحدة، تجلّى في الارتياح الذي ساد بعد زيارة نتنياهو لواشنطن.

في المقابل، يذهب رئيس تحرير صحيفة "إيران ديبلوماتيك" عماد أبشناس إلى أن عجز واشنطن عن الحسم العسكري بعد 6 أشهر من المواجهة هو ما يفسر تخبط ترامب، مستشهداً بإحصاء أميركي رصد له 18 تراجعاً، ما جعله عرضة للسخرية داخلياً.

ويطرح أبشناس تصورين متداولين في إيران: الأول يرى في تردد ترامب خديعة مقصودة لتحقيق عنصر المفاجأة، والثاني يعتبر أن كلفة أي هجوم باتت مرتفعة جداً على واشنطن، وأن ترامب يستغل دورة الإعلان والتراجع للتأثير في حركة البورصة الأميركية.

إيران.. "سياسة بصوتين"

وحول مقترح مضيق هرمز، يوضح أبشناس أن الطرح العماني يقوم على فتح خط وسط في المضيق تشرف عليه لجنة مشتركة إيرانية عمانية عسكرية وأمنية وإدارية، على أن يُتفق لاحقاً على الرسوم مقابل الخدمات، لكن إيران تشترط وقف الحرب ورفع التهديد العسكري الأميركي قبل قبول هذا النظام.

وبشأن الحصار، يرى أن تأثيره على الاقتصاد الإيراني مبالغ فيه، إذ تملك طهران طرقاً بديلة عبر حدود برية تمتد نحو 7800 كيلومتر، مقراً بأن الوضع الاقتصادي سيء لكن بنسبة 80% بسبب الفساد الداخلي لا العقوبات.