لم يعد المشهد الأوكراني يُقرأ بالمنظار ذاته الذي طبع بدايات ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

فبعدما كانت كييف تُقدَّم بوصفها الطرف الأضعف الذي لا يملك سوى القبول بتسوية تفرضها موازين القوة، برزت مؤشرات على تبدل في مقاربة واشنطن عقب استمرار الصمود الأوكراني واتساع الهجمات إلى العمق الروسي.

غير أن هذا التحول، وفق قراءتي رئيس المركز الأوكراني للتواصل والحوار عماد أبو الرب والكاتب والباحث السياسي ديمتري بريغ خلال برنامج "رادار" على سكاي نيوز عربية، لا يعني بالضرورة تغيراً جذرياً في مسار الحرب، في ظل تمسك موسكو بمواقفها الأساسية واستمرار القتال واستعصاء الحسم العسكري.

صمود كييف يغيّر الحسابات الأميركية

يرى عماد أبو الرب أن صمود أوكرانيا فرض مراجعة في طريقة تعامل الإدارة الأميركية مع الحرب، موضحا أن واشنطن كانت تنظر إلى كييف، مع وصول ترامب إلى السلطة، باعتبارها دولة خاسرة ومنهكة، وأن الخيار الأكثر أمانا بالنسبة لها يتمثل في القبول بأي شروط تُطرح لإنهاء الحرب.

لكن استمرار تماسك الدولة الأوكرانية، إلى جانب قدرة الجيش الأوكراني على نقل المعركة إلى العمق الروسي، غيّر هذه الصورة، بحسب أبو الرب، ودفع الإدارة الأمريكية إلى تعديل مقاربتها. ويؤكد في الوقت نفسه أن هذا التحول لا يمكن اعتباره تحولا استراتيجيا حتى الآن، وإنما يقتصر على أسلوب إدارة العلاقة مع أوكرانيا والتفاوض بشأن الحرب.

وفي هذا السياق، يشير إلى أن استمرار رفض موسكو لأي هدنة وغياب المرونة الروسية دفعا واشنطن إلى مواصلة دعم كييف عبر مسارين متوازيين، يتمثل الأول في تعزيز القدرات الدفاعية الأوكرانية، بينما يقوم الثاني على فرض مزيد من العقوبات على روسيا.

أخبار ذات صلة

خفايا "رواية خلايا أوكرانيا" في العراق.. هل تحمل مفاجآت؟
تطور لافت.. زيلينسكي يعلن موقف ترامب من "الباتريوت"

موسكو: لا تغيير في الثوابت

في المقابل، يؤكد ديمتري بريغ أن الموقف الروسي لم يشهد أي تبدل، مشددا على أن موسكو لا تزال تعتبر أن إنهاء الحرب لا يكون عبر تجميد الصراع، وإنما من خلال معالجة جذور الأزمة بصورة تمنع تكرار ما جرى بعد اتفاقيات مينسك.

ويلفت إلى أن القيادة الروسية ما زالت متمسكة بإتمام الأهداف التي أعلنتها منذ بدء العملية العسكرية عام 2022، مع استمرار التركيز على تحقيق ما تصفه موسكو بمهام العملية العسكرية، وعدم وجود أي مؤشرات على تقديم تنازلات أو إبداء مرونة في الملفات الأساسية، بما في ذلك موقفها من شبه جزيرة القرم والمقاطعات الأربع التي تعتبرها جزءا من الأراضي الروسية.

ويشير بريغ إلى أن بعض التقديرات تتحدث عن احتمال استمرار الصراع حتى عام 2030، محذرا من أن إطالة أمد الحرب ستنعكس سلبا على الاقتصاد الروسي، كما ستطال الاقتصادات الأوروبية والأوكرانية على حد سواء.

استنزاف متبادل وحسم عسكري مستبعد

ويعتبر أبو الرب أن السنوات الأربع الماضية أثبتت عجز روسيا عن تحقيق حسم عسكري، كما أظهرت في الوقت ذاته عدم قدرة أوكرانيا على إنهاء الحرب عسكريا، رغم نجاحها في توجيه ضربات متكررة إلى البنية التحتية والمنشآت داخل العمق الروسي.

وانطلاقاً من هذه المعطيات، يرى أن الحرب دخلت مرحلة الاستنزاف المتبادل، حيث بات كل طرف يستهدف عمق الطرف الآخر، بالتوازي مع تطوير وسائل قتالية وتقنيات هجومية ودفاعية جديدة، الأمر الذي يجعل استمرار المواجهات دون أفق للحسم العسكري.

ويخلص إلى أن مصلحة الطرفين تكمن في إعادة تعريف مفهوم النصر، بحيث يصبح وقف الحرب والانتقال إلى معالجة مرحلة ما بعد الأزمة هو الإنجاز الحقيقي، بدلاً من استمرار دائرة الاستنزاف.

التسوية.. بين الوسطاء والحوار المباشر

ويرى أبو الرب أن الوصول إلى تسوية يتطلب جهدا دوليا واسعا، مؤكداً أن الولايات المتحدة وحدها غير قادرة على إدارة الوساطة، وأن نجاح أي مسار تفاوضي يستدعي مشاركة أطراف أخرى، من بينها السعودية والإمارات وتركيا، إضافة إلى التنسيق مع الصين والاتحاد الأوروبي.

كما يلفت إلى أن زيارة الرئيس فولوديمير زيلينسكي وما أُعلن عن انتظار وصول مبعوثين أمريكيين إلى أوكرانيا يعكسان وجود حراك دبلوماسي قد يفتح الباب أمام استئناف الحوار، شرط ألا تعرقله الأطراف الداعمة للطرفين.

ويشير إلى أن نجاح المفاوضات يتطلب تخفيف حدة الهجمات، خصوصاً على المدن، وعدم تمسك أي من الجانبين بشروط تعجيزية، معتبرا أن بدء جلسات تفاوض مباشرة سيكون مؤشراً على انطلاق انفراجة تدريجية.

الوساطة الخليجية والتركية في الرؤية الروسية

من جانبه، يربط بريغ أي تقدم سياسي بحدوث لقاء مباشر بين الرئيسين فلاديمير بوتين وفولوديمير زيلينسكي، معتبرا أن الوساطات، سواء الخليجية أو التركية، قادرة على تهيئة الظروف للحوار، كما حدث في ملفات إنسانية مثل تبادل الأسرى، لكنها لا تكفي وحدها لإنهاء الحرب.

ويؤكد أن إنهاء الأزمة يظل مرهوناً بالتوافق المباشر بين القيادتين الروسية والأوكرانية، مع ضرورة التوصل إلى وقف لإطلاق النار يمهد لمفاوضات تبحث صيغة شاملة لإنهاء الصراع.

كما يشدد على أن الحل لا يقتصر على الجوانب العسكرية، بل يرتبط أيضا بملفات اقتصادية، من بينها العقوبات المفروضة على روسيا، والأصول الروسية المجمدة، وعلاقات الشركات الروسية مع الأسواق الدولية.

الاقتصاد.. ساحة مواجهة موازية

ويصف بريغ الاقتصاد بأنه أصبح أحد ميادين الصراع الأساسية، مشيراً إلى أن الهجمات الأوكرانية التي تستهدف المنشآت النفطية وطرق الإمداد والمنشآت الصناعية تؤثر بصورة مباشرة في الاقتصاد الروسي، كما أن استمرار الحرب ينعكس على الاقتصادات الأوروبية ودول الجوار.

ويرى أن محاولات ربط الحرب بملفات إقليمية أخرى، مثل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، تأتي في إطار توسيع الضغوط على موسكو وعلى الدول المتعاونة معها اقتصادياً.

وفي المقابل، يؤكد أن استمرار الضربات الروسية داخل أوكرانيا، بالتوازي مع الهجمات الأوكرانية على العمق الروسي، يزيد تعقيد البيئة السياسية اللازمة لإطلاق مفاوضات جادة، ما يجعل وقف إطلاق النار خطوة ضرورية قبل الانتقال إلى معالجة جذور الأزمة.

الحرب مستمرة.. والحل رهين الإرادة السياسية

ورغم اختلاف زاوية النظر بين الضيفين، فإن كلاً منهما يربط مستقبل الحرب بإحياء المسار الدبلوماسي. فأبو الرب يرى أن استمرار الاستنزاف يفرض مراجعة شاملة لمفهوم النصر وإطلاق وساطة دولية متعددة الأطراف تتيح الانتقال إلى التفاوض، بينما يؤكد بريغ أن أي تسوية لن تكون ممكنة ما لم تُعالج جذور الأزمة، وأن الحوار المباشر بين بوتين وزيلينسكي، مدعوماً بوساطة دولية، يبقى المدخل الوحيد لإنهاء الحرب، في ظل استمرار تمسك كل طرف بمواقفه الأساسية.