لم تعد تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بشأن استمرار الثغرات الأمنية، وفق قراءة الخبير في الشؤون الإيرانية نبيل الحيدري، مجرد إقرار بخلل أمني، بل تحولت إلى مؤشر يكشف عمق الاختراق داخل مؤسسات الدولة الإيرانية، وحجم الأزمة التي تواجهها منظومة الحكم على المستويين الأمني والسياسي.

 ويرى الحيدري، خلال حديثه إلى برنامج "التاسعة" على سكاي نيوز عربية، أن ما كشفه عراقجي يتقاطع مع مؤشرات متراكمة تعكس تصاعد الانقسامات داخل مراكز القرار، وتراجع قدرة القيادة على ضبط المؤسسات الأمنية والعسكرية، في وقت تتزايد فيه الخلافات بين أجنحة السلطة وتنعكس على الملفات الداخلية والخارجية.

عراقجي.. حديث "ثغرة" اغتيال خامنئي تربك حسابات "الداخل"

اعتراف رسمي يكشف عمق الاختراق

يصف الحيدري تصريحات عراقجي بأنها "اعتراف صارخ" بوجود اختراق أمني داخل إيران، مستندا إلى ما حدث خلال استهداف اجتماعين متزامنين؛ أحدهما ضم المرشد علي خامنئي وقيادات مكتبه، والآخر جمع الأجهزة الأمنية والقيادات العسكرية، مؤكداً أن استهداف الموقعين في الوقت نفسه لا يمكن تفسيره، بحسب تقديره، إلا بوجود من سرّب المعلومات من الداخل.

ويشير إلى أن عراقجي نفسه يؤكد استمرار هذه الثغرة الأمنية حتى الآن، معتبرا أن ذلك يفسر أيضا عدم ظهور مجتبى خامنئي، في ظل ما يصفه بالخوف من تعرضه للمصير ذاته، وهو ما يرى أنه ورد بصورة ضمنية في تصريحات وزير الخارجية.

سلسلة تصريحات تؤكد أزمة المنظومة الأمنية

ويؤكد الحيدري أن عراقجي ليس أول مسؤول يتحدث عن هذا الملف، مشيراً إلى أن مستشار المرشد محسن رضائي سبق أن تحدث عن اختراقات أمنية أدت إلى مقتل المرشد وعدد من القيادات، كما ربط اغتيال شخصيات بارزة، بينها إسماعيل هنية، بوجود ثغرات أمنية داخلية.

ويضيف أن الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد تحدث كذلك عن اختراق وصل إلى المسؤول الأمني عن الملف النووي، معتبراً أنه كان عميلاً للموساد، وهو ما ربطه بتهريب الملف النووي إلى إسرائيل.

ويستعرض الحيدري أيضا قضية قائد "فيلق القدس" إسماعيل قاآني، الذي يقول إنه تعرض للاعتقال لفترة بعد اتهامه بالتعاون مع جهات معادية، قبل أن يؤكد أثناء التحقيق أن مدير مكتبه هو العميل الحقيقي، وأن الأخير أُعدم، بينما بقيت الشكوك، بحسب الحيدري، تحيط بقاآني حتى الآن، في دلالة يعتبرها على حجم فقدان الثقة داخل المؤسسة الأمنية الإيرانية.

ويرى أن تكرار العمليات الأمنية الناجحة، والوصول إلى قيادات بارزة في أماكن وجودها، يعزز الاعتقاد بأن الاختراق لا يزال قائماً وبمستوى كبير.

ضعف داخلي يقابله تمدد خارجي

وفي تقييمه لبنية النظام الإيراني، يستند الحيدري إلى ما ورد في كتابه "إيران من الداخل"، مؤكداً أن إيران "ضعيفة من الداخل، لكنها تتفرع على الآخرين". ويفصّل ذلك بالإشارة إلى أن النظام يضرب دولاً عربية بعينها؛ من الأردن والكويت إلى الإمارات والسعودية، في مقابل تجنّب واضح للمواجهة المباشرة مع القوة الأمريكية التي قال إن "السفينة لا تضربها"، وإسرائيل التي "لا تضربها" هي الأخرى. ويدعم تحليله بأرقام دقيقة، مشيرا إلى أن 80 بالمئة من الضربات الإيرانية طالت دولاً عربية وخليجية، بينما لم تتلقَّ إسرائيل سوى 20 بالمئة منها خلال الحرب، في دلالة يعتبرها كاشفة عن حقيقة الضعف الداخلي.

ويربط الحيدري هشاشة الداخل الإيراني بتراكم الاحتجاجات والثورات على امتداد 47 سنة من الظلم على الشعب، مشيرا إلى وجود حالة سخط شعبي جعلت عددا من الإيرانيين، وفق متابعته، مستعداً للتعاون مع إسرائيل لإسقاط النظام.

ويستشهد في هذا السياق بوتيرة القتل الجماعي، ناقلاً عن القيادي المتشدد محسن إِجَئِي قوله إنه "إذا يخرج الناس إلى الشارع نقتلهم بدون محكمة". كما يلفت إلى كثرة الإعلانات المتكررة عن اعتقال وإعدام أشخاص تتهمهم السلطات بالعمل لصالح إسرائيل، معتبرا أن الأرقام التي تعلنها طهران نفسها تعكس حجم الأزمة الأمنية التي تواجهها، ومشيراً تحديداً إلى أن إيران أعدمت 27 ألفاً.

غياب القيادة يعمّق الانقسامات

ويرى الحيدري أن المشهد الداخلي في إيران شهد تغيرا واضحا بعد غياب علي خامنئي، موضحا أن المرشد السابق كان يحسم الخلافات داخل مؤسسات الحكم بمجرد خطابه أو قراره، في حين لم يظهر مجتبى خامنئي حتى الآن، لا صوتا ولا صورة، وهو ما تزامن، بحسب قوله، مع وصول الخلافات داخل النظام إلى درجة شديدة. ويستشهد بما جرى خلال مراسم تشييع علي خامنئي، حيث تصدّر أحمد وحيدي، رئيس الحرس الثوري، وردد معه التيار المتشدد هتافات ضد محمد باقر قاليباف، ومسعود بزشكيان، وعباس عراقجي، واتهموهم بالعمالة والخيانة وطالبوا بإعدامهم، فيما تعرض عراقجي، وفق روايته، للرشق بالحجارة وهرب من مراسم التشييع.

كما يشير إلى أن الخطاب المنسوب إلى مجتبى خامنئي دعا إلى عدم اتساع الخلافات ولمّ الشمل، والتأكيد على الالتفاف حول السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية، لكنه تضمن أيضا سبا للولايات المتحدة ولعنها ودعوة إلى الانتقام، وهي لهجة يرى الحيدري أنها أقرب إلى أسلوب أحمد وحيدي.

ويلفت الحيدري إلى أن الرسائل المنسوبة إلى مجتبى حملت، بحسب قراءته، تناقضاً في أسلوب صياغتها؛ فرسائل وصفها بأنها أقرب إلى أسلوب علي لاريجاني، الرجل البراغماتي الذي يقيم أولاده في أمريكا، وأخرى اعتبرها أقرب إلى أسلوب أحمد وحيدي، الذي يتسم بالحدة وتوجيه السباب إلى الولايات المتحدة.

أخبار ذات صلة

الطائرة الرئاسية.. ترامب يعلن عن تحديث بـ"أقصى القدرات"
البحرين تتصدى لموجة جديدة من الاعتداءات الإيرانية

تساؤلات حول مصير مجتبى خامنئي

ويشير الحيدري إلى أن غياب مجتبى خامنئي عن الظهور العلني أثار تساؤلات داخل إيران، لافتاً إلى أن ما يتداوله متابعون عبر منصات التواصل الاجتماعي الإيرانية، وهو منهم، يتركز على عدم ظهوره بأي صورة أو تسجيل مصور، "حتى مجرد صورة بدون صوت".

ويضيف أن الضربة التي استهدفت مكتب علي خامنئي كانت، بحسب وصفه، "جبارة"، وأدت إلى مقتل "الأولاد والأحفاد "، فيما ترددت معلومات عن إصابة مجتبى بجروح بالغة، وهو ما يعلق عليه الحيدري بالقول إنه "من الصعب أن ينجو إنسان" من ضربة بهذا الحجم. ويعزز من هذه الشكوك، وفق تقديره، عدم ظهوره في مراسم التشييع، وتحديداً في مدينة مشهد أثناء لحظة التوديع الأخيرة لجنازة والده، حيث كان كثيرون يتوقعون ظهوره لو كان حياً، ليخلص إلى أن "الشك كبير" بشأن مصيره.

ويشير الحيدري إلى أنه درس الرسائل الكثيرة، ولاحظ وجود تناقض بينها، معتبرا أن الرسائل الأولى تحمل أسلوب علي لاريجاني، الذي وصفه بأنه ليس من الحرس الثوري وأنه رجل واقعي وبراغماتي، في حين رأى أن الرسائل الأخيرة أقرب إلى أسلوب أحمد وحيدي، وتتضمن سبّ الولايات المتحدة، وتمتد لهجتها إلى دول المنطقة.

صراع الإصلاحيين والمتشددين يربك القرار

ويشير الحيدري إلى أن الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي يُعد من أبرز الشخصيات الإصلاحية في إيران، موضحاً أنه كان يدعو إلى حوار الحضارات والانفتاح على الولايات المتحدة، والاستفادة من العلاقات معها اقتصادياً، إلى جانب تعزيز العلاقات مع الدول العربية، وهو ما أكسبه شعبية واسعة. ويضيف أن خاتمي يخضع للإقامة الجبرية بسبب هذه المواقف، كما يشير إلى مقتل هاشمي رفسنجاني، وإلى أن مير حسين موسوي وزوجته لا يزالان رهن الإقامة الجبرية، مؤكداً أن التيار المتشدد، بحكم سيطرته على الميليشيات والسلطة القضائية، يلجأ إلى فرض الإقامة الجبرية أو إصدار أحكام بالإعدام بحق معارضيه.

وفي سياق حديثه عن تداعيات الانقسام داخل مؤسسات الحكم، يستشهد الحيدري بملف مضيق هرمز، موضحاً أن قاليباف وقّع الاتفاق، في حين أقدم أحمد وحيدي على إغلاق المضيق أو استهداف السفن، وهو ما أدى، بحسب قوله، إلى بروز المشكلة.

ويضيف أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قال لهم: "اتفقوا ثم تعالوا"، مشيراً إلى أن قاليباف وعباس عراقجي ومسعود بزشكيان هم من وقّعوا الاتفاق، بينما نفّذ التيار المتشدد بقيادة أحمد وحيدي عمليات استهداف، رغم أن هذا التيار كان يتهم هؤلاء خلال جنازة علي خامنئي بالعمالة والخيانة، ويدعو إلى إعدامهم، كما تعرّض عراقجي للرشق بالحجارة واضطر إلى مغادرة مراسم التشييع.

ويختتم الحيدري حديثه بالقول إن هذا الانقسام الواضح والشرخ الكبير يعودان إلى عدم وجود قيادة حقيقية تُلزم الجميع بالقرار وتعمل على توحيدهم.