كشف مشاركون في مؤتمر "الاقتصاد الأزرق" الذي استضافته مدينة ممبسا الكينية مؤخرا، عن خطط لرفع الدخل السنوي لإفريقيا من أنشطة مرتبطة بالاقتصاد البحري، مثل صيد الأسماك والسياحة، إلى 1.5 تريليون دولار بحلول عام 2050.
لكن دراسة مشتركة أجراها باحثون في جامعتي أكرا في غانا وكيب تاون الجنوب إفريقية بالتعاون مع جامعة ستانفورد الأميركية، حذرت من أن النزاعات الداخلية والخارجية حول البحار والمحيطات تشكل عائقا أمام تحقيق النمو المطلوب، مشيرة إلى وجود نحو ألف نزاع بحري في 34 دولة إفريقية في الوقت الحالي.
وتضم القارة 38 دولة ساحلية وجزرية، وتزخر بموارد بحرية هائلة، مما يمنحها إمكانات هائلة لبناء اقتصاد أزرق مزدهر يدفع عجلة التنويع الاقتصادي والأمن الغذائي، وخلق فرص العمل، والقدرة على التكيف مع تغير المناخ، والازدهار الشامل.
وتمتد صناعة الاقتصاد الأزرق في إفريقيا على مساحة 13 مليون كيلومتر مربع، وتدر ما يقارب 300 مليار دولار سنويا، وتدعم 49 مليون وظيفة.
وتعهدت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) بإعطاء أولوية قصوى للنهوض بأجندة الاقتصاد الأزرق في المنطقة.
وقالت المنظمة إنها ستواصل العمل مع الدول الأعضاء والشركاء لضمان الاستخدام والإدارة المستدامة للموارد المائية والبحرية لدعم الأمن الغذائي، وسبل العيش، والحفاظ على التنوع البيولوجي، والنمو الاقتصادي الإقليمي.
مصائد الأسماك
وتشير تقديرات "تريد مارك أفريكا"، وهو مشروع مشترك يعمل مع أمانة منطقة التجارة الحرة الإفريقية، إلى أن حجم سوق الأسماك في القارة سيتضاعف من 22 مليار دولار سنويا حاليا إلى 44 مليار دولار بحلول عام 2030.
ومن المتوقع أن يرتفع الطلب على الأسماك في إفريقيا بنسبة 90 بالمئة بحلول عام 2030.
وتتيح اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية فرصة فريدة لإنشاء أسواق متكاملة، يمكن أن تفيد العاملين في القطاع بشكل كبير، إذا ما اتخذت إجراءات مدروسة لإدماجهم.
لكن العاملين في القطاع يواجهون تحديات كبيرة، تشمل محدودية الوصول إلى الأصول الإنتاجية والموارد المالية والأسواق والمعلومات السوقية، وضعف القدرة التفاوضية إضافة إلى التمييز القائم على النوع الاجتماعي ومخاوف الحماية.
وقال مساعد المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة (فاو) مانويل بارانج، إن إفريقيا تستنزف سنويا أكثر من نصف المخزونات السمكية بسبب الصيد الجائر في ظل غياب الرقابة، وبيع حكومات بعض الدول فرص الصيد لأساطيل أجنبية للعمل في مياهها.
السياحة البحرية
وتعد السياحة الساحلية والبحرية من أهم مصادر الإيرادات للعديد من الدول الإفريقية، وتشكل السياحة البحرية الحصة الأكبر من اقتصادات دول مثل سيشل وموريشيوس.
وتأتي السياحة البحرية في مقدمة استراتيجية وضعها الاتحاد الإفريقي مؤخرا لتنمية الاقتصاد الأزرق في القارة.
وتعتمد العديد من الدول الأفريقية بشكل كبير على هذا القطاع، ومنها سيشل التي حولت 30 في المئة من مساحتها البحرية إلى محميات بحرية.
وتمثل السياحة الساحلية في موريشيوس أكثر من 10 في المئة من إجمالي الناتج الاقتصادي للبلاد. وتمتد استراتيجية الاتحاد الأفريقي عبر 10 دول، من بينها كينيا وتنزانيا. وتهدف إلى تعزيز السياحة البيئية. وتستخدم دول غير ساحلية مثل أوغندا البحيرات أيضا للسياحة المائية.
تحديات مستمرة
وتعيق النزاعات وغياب الاستراتيجيات الحكومية أهداف الاقتصاد الأزرق في إفريقيا.
وارتبط ما يقرب من 75 في المئة من النزاعات بالوصول إلى موارد المحيطات، مثل مصائد الأسماك أو مواقع مثل غابات المانغروف ومناطق الصيد ومواقع إنزال السفن.
وأدرجت العديد من الدول الإفريقية توسيع الاقتصاد الأزرق ضمن سياساتها التنموية الوطنية أو الإقليمية، لكن تحقيق ذلك الهدف يتطلب معالجة القضايا الأساسية التي تؤدي إلى النزاعات.
ووجدت الدراسة المشتركة التي أجرتها جامعة أكرا وكيب تاون أن الصراعات حول مكامن الاقتصاد الأزرق تختلف باختلاف السياق الثقافي والإقليمي، وتتسبب لوائح المحميات البحرية في توترات من خلال إعطاء الأولوية للسياح على حساب الصيادين الصغار.
وغالبا ما اتخذت النزاعات شكل خلافات مستمرة بين الصيادين الصناعيين والحرفيين حول الوصول إلى المياه الساحلية.
وأدى غياب التنسيق وعدم فعالية أساليب معالجة الخلافات إلى نشوب صراعات بين الزعماء التقليديين للمجتمعات المجاورة والسلطات الحكومية على المستويين المحلي والوطني في العديد من بلدان القارة.
وفي حين حذرت الدراسة من أن تؤدي النزاعات إلى تغييرات في الحوكمة، إلا أنها أشارت إلى جهود كبيرة تبذلها الحكومات للقضاء على أسباب تلك النزاعات.
وفي الجانب الآخر، ربطت كريستيانا تشيزوبا منسقة مبادرة تمكين السياحة البحرية الشاملة، تحقيق الطفرة المطلوبة في مجال الاقتصاد الأزرق بتطوير الكوادر البشرية اللازمة لقيادة النمو.
وقالت إن تحويل ثروات إفريقيا الزرقاء إلى نمو مستدام، يتطلب رحلة شاقة وطويلة تبدأ من الفصول الدراسية.
وأوضحت: "نجاح الاقتصاد الأزرق في إفريقيا سيعتمد في نهاية المطاف على جودة رأس ماله البشري. يمكن بناء الموانئ وسنّ السياسات وتأمين الاستثمارات، لكن من دون وجود كوادر مهنية مؤهلة سيظل التقدم المستدام بعيد المنال".