في مشهد بالغ التعقيد، تتقاطع خيوط الدبلوماسية مع ضجيج المدافع في مضيق هرمز، وتجلس واشنطن وطهران على طاولة مفاوضات تُلقي بظلالها على مستقبل المنطقة بأسرها.

وأكد مسؤول أميركي لسكاي نيوز عربية أن المحادثات الفنية تسير وفق جدولها الزمني، وأن قنوات فض الاشتباك المنبثقة عن محادثات سويسرا "تعمل بفعالية"، يطرح المحللون تساؤلات جوهرية: هل يمكن لطرفين يبحثان عن نصر مزدوج أن يُنتجا اتفاقاً حقيقياً؟ وهل التصعيد في هرمز ورقةُ ضغط أم بوابةٌ إلى مواجهة لا يريدها أحد؟

زواج سيئ مقبل على الطلاق

وصف الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية أمجد طه العلاقة الأميركية الإيرانية بأنها "زواج سيئ جداً مقبل على الطلاق"، نافياً أن تكون ثمة استمرارية حقيقية في هذا المسار.

وأوضح طه أن كلا الطرفين يتسابقان اليوم للحصول على أكبر قدر من النقاط والأوراق قبيل الجولة الأخيرة من المفاوضات، في ظل تنافس محموم على سردية النصر.

ورأى الباحث أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يسعى إلى الخروج من هذه المفاوضات قبل الانتخابات النصفية بوصفه "بطلاً منتصراً"، في حين تصبو طهران إلى توديع المرشد علي خامنئي المشهدَ السياسي "منتصرةً بسردية النصر للداخل الإيراني"، بيد أنه خلص إلى أن كلتا الحالتين "غير قابلة للتطبيق"، مستنداً إلى ثقل الخسائر الإيرانية المتراكمة.

 300 مليار دولار وأذرع منهكة

كشف طه عن حجم ما تكبدته إيران، إذ أشار إلى أنها تبحث عن استعادة نحو 300 مليار دولار خسرتها، فضلاً عن سقوط قياداتها الميدانية والرئاسية.

غير أنه توقف مطولاً عند الخسائر الإقليمية، مؤكداً أن إيران لم توقّع على ملف "وكلائها" في المنطقة التي فقدت فيها أذرعها الرئيسية واحداً تلو الآخر: فحماس "خسرت في غزة بشكل كامل" وباتت تواجه احتجاجات أهل غزة ضدها، وحزب الله "شبه خارج المعادلة بشكل كبير"، كما أن لبنان "تقرّب أكثر من إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية"، متجهاً نحو "قرار سيادي وطني يذهب إلى السلام".

وفي العراق، أشار طه إلى أن قيادات مقربة من النظام الإيراني باتت "في السجون"، جراء أموال إيرانية بالدولارات الأميركية، وهو ما يفسّر في رأيه الزيارة المتسارعة لوزير الخارجية الإيراني إلى بغداد.

العداء المتجذّر هو العقبة الحقيقية أمام أي اتفاق

في المقابل، أبدى رئيس تحرير صحيفة "إيران ديبلوماتيك" عماد أبشناس قبولاً نسبياً بوصف "الزواج السيئ"، لكنه ذهب إلى أن جذر الأزمة أعمق من مجرد خلاف تفاوضي.

وقال إن "المشكلة الأساسية تكمن في العداء بين إيران والولايات المتحدة"، مؤكداً أن أي اتفاق لن يُفضي إلى نتيجة ما لم يُعالَج هذا العداء المتجذر الذي امتد أكثر من سبعة عقود، بدءاً من تأميم النفط الإيراني قبل الثورة.

وأشار أبشناس إلى أن كلا الجانبين وصلا فعلاً إلى هذه القناعة، لافتاً إلى أن المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف أثار هذا الملف في أول اجتماع له مع نظيره الإيراني، وأن محادثات باكستان تطرقت هي الأخرى إلى ضرورة تسوية هذا الخلاف الجوهري أولاً قبل التفاهم على المسائل الأخرى.

رأى أبشناس أن الجانب الأميركي "متسرع في التوصل إلى نتائج"، ساعياً إلى انتزاع ورقتَي الضغط الإيرانيتين الأبرز: مضيق هرمز ومخزون اليورانيوم المخصب، إلى جانب ملف الحلفاء الإقليميين.

وأكد أن واشنطن تريد "سلب هذه الأوراق قبل المفاوضات"، وهو ما تعتبره طهران تجاوزاً لمبدأ التفاوض على قدم المساواة.

أخبار ذات صلة

فرق فنية إلى الدوحة.. ورسائل متباينة من واشنطن وطهران
الدوحة تستقبل وفدي واشنطن وطهران.. وغموض بشأن الاجتماع

 إيران اخترقت كل ما وقّعت عليه

انتقل طه إلى ملف مضيق هرمز بحدة لافتة، مؤكداً أن المضيق "دولي بامتياز" وأن ما تفعله إيران يمثل "اختراقاً صريحاً للقانون الدولي".

وسرد منظومة قانونية متكاملة، مستشهداً بالمادتين 38 و44 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار اللتين تلزمان الدول المشاطئة بعدم إعاقة المرور العابر، والمادتين 87 و90 اللتين تكفلان حرية الملاحة في أعالي البحار، علاوة على المواد 2 و3 و4 و51 من ميثاق الأمم المتحدة.

واتهم طه إيران بـ"اختراق كل هذه المواد بشكل كامل"، مستنكراً استهدافها مملكة البحرين والكويت في ما وصفه بـ"استهداف المدنيين"، الذي يشكّل في رأيه انتهاكاً لسيادة الدول.

وخلص إلى أن إيران تمارس ما سماه "إرهاباً بحرياً"، إذ تُجبر السفن على الاقتراب من شواطئها ثم تعرض عليها "خدمات مدفوعة" لم تطلبها.

الجرف القاري الإيراني يُعيد رسم خارطة الاتفاقيات

في المقابل، طعن أبشناس في الحجج القانونية لطه، مشيراً إلى أن "اتفاقية جامايكا" لا تنطبق على مضيق هرمز ولا على الخليج عموماً، لأن كل نقاط الخليج تقع ضمن الجرف القاري للدول المشاطئة.

واستند إلى حسابات جغرافية دقيقة، إذ قال إن مضيق هرمز الذي يبلغ عرضه 33 كيلومتراً يقع بمعظمه ضمن المياه الإقليمية الإيرانية والعُمانية (12 ميلاً بحرياً لكل منهما)، مما يجعل نحو كيلومترين فحسب خارج هذا النطاق.

وأكد أبشناس أن إيران "فتحت قناتين للملاحة دون رسوم"، مشترطةً فحسب الإبلاغ عن حمولات السفن لاعتبارات أمنية، في ظل ما وصفه بـ"حالة الحرب" التي تعيشها إيران.

ونبّه إلى أن البند الخامس من "تفاهم الإطار" بين واشنطن وطهران ينص على أن إيران هي من تُنظّم حركة المرور في المضيق، متهماً الولايات المتحدة بالضغط على عُمان لفتح مسار بحري بعيداً عن علم طهران.

أخبار ذات صلة

اجتماع الدوحة بين ترقب ترامب ونفي طهران
الخارجية الإيرانية: لا محادثات مع الولايات المتحدة في الدوحة

 استهداف من وقفوا ضد الحرب

في مقاربة لاذعة، أكد طه أن إيران وقعت في خطأ استراتيجي فادح بمهاجمة دول الخليج والإمارات تحديداً، وهي الدول التي وقفت أصلاً ضد الحرب، بينما كانت إسرائيل هي "أقل من استهدفته إيران".

وأشار إلى أن الإمارات تمثّل نافذة اقتصادية حيوية للشعب الإيراني نفسه، ومع ذلك استهدفتها طهران.

ورأى طه أن دول المنطقة العربية والخليجية "تمد دائماً يدها للسلام"، في حين تصرّ إيران على التدخل في شؤونها الداخلية واختراق سيادتها، لافتاً إلى أن الدول العربية لم تعترض يوماً على استضافة إيران لعائلات تنظيم القاعدة أو عناصر جماعة الإخوان المسلمين المتورطين في اغتيال الرئيس المصري السادات، ولا على تدريبها لحزب الله والميليشيات العراقية، مطالباً بـ"الكف عن التدخل في الشؤون العربية وعدم الاعتداء على السيادة".