مع بدء سريان مهلة الستين يوما المنصوص عليها في مذكرة التفاهم الجديدة بين الولايات المتحدة وإيران، تتجه الأنظار إلى مسار تفاوضي جديد قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة في أحد أكثر ملفات المنطقة تعقيداً، وسط تساؤلات بشأن قدرة الاتفاق على معالجة الخلافات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني والنفوذ الإقليمي لطهران.
وفي هذا السياق، اعتبر الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات حسين عبد الحسين، خلال حديثه إلى "التاسعة" على "سكاي نيوز عربية"، أن التفاهم الجديد لا يمثل تحولا جوهريا في السياسة الأميركية، بل يعيد إلى حد كبير المقاربة التي اعتمدتها إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما في الاتفاق النووي لعام 2015.
وقال عبد الحسين إن المكسب الأساسي لإيران لا يتمثل في الحديث عن حصولها على 300 مليار دولار، بل في رفع العقوبات عن القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها النفط والتأمين والشحن البحري، وهي الركائز التي قامت عليها اتفاقية عامي 2015 و2016.
وأضاف أن رفع العقوبات سيتيح لطهران أيضا استعادة نحو 24 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، معتبرا أن هذه الخطوة تمنح إيران مكاسب اقتصادية تفوق أي استثمارات محتملة يجري الحديث عنها، وهو ما يثير، بحسب قوله، تساؤلات حول جدوى التصعيد العسكري إذا كانت النتيجة النهائية تتمثل في العودة إلى تفاهمات مشابهة للاتفاق السابق.
وفي تعليقه على الجدل المتعلق بالاستثمارات، أوضح عبد الحسين أن تصريحات نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس لم تتحدث عن منح مالية أميركية مباشرة، وإنما عن صندوق استثماري تشارك فيه دول المنطقة، إلا أنه رأى أن التركيز على هذا الملف صرف الانتباه عن القضية الأساسية، وهي رفع العقوبات عن القطاع النفطي الإيراني وما يوفره من عائدات مباشرة لطهران.
واعتبر عبد الحسين أن قضية مضيق هرمز تمثل أحد أبرز دوافع التفاهم، موضحا أن واشنطن قبلت بالاتفاق لضمان استمرار الملاحة في المضيق وتجنب انعكاسات أي إغلاق محتمل على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
ورأى أن العقيدة الأميركية التقليدية كانت تقوم على ضمان بقاء المضيق مفتوحا، وأن القبول بالتفاهم من دون اللجوء إلى القوة العسكرية لفتح الممر المائي منح إيران، وفق تقديره، ورقة قوة لم تكن تتوقع الحصول عليها، لتنتهي الجولة الحالية بصيغة قريبة من الاتفاق الذي سبق للرئيس دونالد ترامب الانسحاب منه.
وأشار عبد الحسين إلى ما وصفه بإشكالية وجود نسختين مختلفتين من الاتفاق، إحداهما وقعتها الولايات المتحدة والأخرى إيران، موضحا أن النسخة الإيرانية تتضمن نصا يتعلق بإدارة إيران للممر المائي، بينما يغيب هذا البند عن النسخة الأميركية، معتبرا أن اختلاف النصوص يثير إشكالات قانونية وسياسية بشأن آليات تنفيذ الاتفاق.
وأضاف أن التفاهم لم يحسم واحدة من أكثر القضايا الخلافية، وهي حق إيران في تخصيب اليورانيوم، إذ ما تزال طهران تتمسك بهذا الحق، في حين ترفض واشنطن الاعتراف به، الأمر الذي أدى إلى تأجيل الحسم إلى مرحلة لاحقة.
كما لفت إلى أن ترامب انتقد سابقا اتفاق أوباما بسبب عدم تناوله البرنامج الصاروخي الإيراني والأذرع الإقليمية، لكنه رأى أن الاتفاق الحالي يتطرق إلى الارتباط الإيراني بلبنان بصورة أوضح، معتبرا أن ذلك يجعله، من وجهة نظره، تراجعا مقارنة بالاتفاق السابق.
وفي مقارنة بين الإدارات الأميركية، اعتبر عبد الحسين أن إدارة الرئيس السابق جو بايدن بدت أكثر تشددا تجاه البرنامج النووي الإيراني من إدارة ترامب، لأنها لم تقدم على رفع العقوبات بالسهولة التي تضمنها الاتفاق الحالي، رغم سعي ترامب إلى تقديم تفاهمه بوصفه أفضل من اتفاق أوباما.
وبشأن مهلة الستين يوما، رجح عبد الحسين أن يستمر تمديد الاتفاق بدلا من التحول إلى تسوية نهائية شاملة.
وعلى صعيد العلاقات الأميركية الإسرائيلية، رأى عبد الحسين أن واشنطن وتل أبيب تمران بواحدة من أكثر مراحل التباعد وضوحا منذ سنوات، ليس فقط في مقاربة الملف الإيراني، وإنما أيضا في ملفات إقليمية أخرى، بينها الملف اللبناني.
وختم عبد الحسين بالقول إن السيناريو الأكثر ترجيحا يتمثل في استمرار الوضع القائم عبر تمديد التفاهم الحالي، مع بقاء فرص التوصل إلى اتفاق نهائي محدودة، في ظل تعقيد الملفات العالقة واستمرار الغموض بشأن آليات معالجتها.