في خضم مشهد إقليمي يموج بالتحركات الدبلوماسية المحمومة التي تقودها واشنطن، وعمليات عسكرية إسرائيلية تتسع رقعتها في العمق اللبناني، يبرز سؤال وجودي واحد: هل تقف المنطقة على أعتاب مواجهة شاملة أم أن المساعي الدولية قادرة على لجم هذا الانفلات؟

بينما يؤكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن وقف إطلاق النار هو المدخل الوحيد لأي أفق سياسي، تكشف متابعة "سكاي نيوز عربية" للمشهد عن تصدعات عميقة في جدار التسوية المنشودة، وتفاصيل خطيرة يسردها الباحث السياسي إيلي نيسان حول الأهداف الإسرائيلية غير المعلنة والضغوط التي تمارسها تل أبيب لإعادة تشكيل قواعد الاشتباك على حدودها الشمالية.

غارات لتأمين "ظروف تفاوضية أفضل"

في شهادة تكشف النقاب عن مدى التوغل البري الإسرائيلي، قال الباحث السياسي إيلي نيسان في حديثه إلى غرفة الاخبار على "سكاي نيوز عربية"، إن "القوات الإسرائيلية وصلت إلى ما وراء الليطاني"، وهي تشرف الآن على التلال التي تنطلق منها المسيرات المتفجرة التابعة لحزب الله باتجاه إسرائيل.

ويربط نيسان هذا التمدد العسكري بشكل مباشر بما وصفه بـ"المطلب الإسرائيلي المُلِحّ"، وهو الوقف الفوري للمسيرات المتفجرة التي "لم يكن لها حل في الآونة الأخيرة"، والتي تؤدي إلى مقتل الجنود والمواطنين، وتجعل الأوضاع المعيشية في شمال إسرائيل "لا تطاق".

ويحلل نيسان الغرض الاستراتيجي من وراء هذه التوغلات، مؤكدا أنها ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة ضغط محسوبة. ويوضح قائلاً: "عندما تدخل القوات الإسرائيلية إلى منطقة ما وراء الليطاني، فإن هذا الأمر يعطي للمستوى السياسي ظروفاً أكثر وأحسن لإجراء المحادثات".

بكلمات أخرى، تسعى تل أبيب إلى فرض وقائع ميدانية جديدة تمنحها أوراق قوة في أي مفاوضات مقبلة، وتحديداً لممارسة أقصى درجات الضغط على الحكومة اللبنانية.

فشل الدولة اللبنانية وتهديد "نعيم قاسم" بإسقاط الحكومة

لم تخلُ شهادة نيسان من انتقادات لاذعة للحكومة اللبنانية، حيث حمّلها مسؤولية مباشرة في استمرار التصعيد. وقال صراحة: "مع الأسف، حكومة لبنان حتى الآن لم تقم بأي خطوة لمنع منظمة حزب الله".

ويستند الباحث السياسي إلى واقعة سياسية خطيرة هزت بيروت مؤخراً، كاشفاً أن الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، هدد بإسقاط الحكومة اللبنانية إذا ما واصلت مسار المحادثات مع إسرائيل.

في هذا السياق، يشخص نيسان جوهر المشكلة بقاعدة صارمة: "طالما منظمة حزب الله هي صاحبة الكلام في لبنان... فإن جنوب لبنان يقوم بمثابة الرهينة بأيدي منظمة حزب الله".

وبناءً على هذا الواقع المختل، يرى المحلل أن إسرائيل تجد مبررها لمواصلة عملياتها العسكرية، طالما أن الدولة اللبنانية الرسمية لم تقم بدورها في تجريد الحزب من أسلحته، أو على أقل تقدير، وقف إطلاق الصواريخ والمسيرات المتفجرة.

إعادة رسم قواعد 1701.. اجتماع أمني لتجنب أخطاء الماضي

في سياق الحديث عن المحادثات الجارية تحت الرعاية الأمريكية، يصف نيسان الاجتماعات المنعقدة بأنها "ذات طابع أمني" في المقام الأول. ويفسر ذلك بالقول إن الهدف الجوهري هو "تغيير لاتفاق 1701 الذي لم يكن واضحاً"، والذي أدى، بحسب توصيفه، إلى تمكين حزب الله من الانتشار في جنوب لبنان وإقامة معاقل وأنفاق.

ويستذكر الباحث السياسي المخاوف الإسرائيلية العميقة من سيناريو كاد أن يقع، قائلاً: "لولا أن إسرائيل كانت واعية، لكان بإمكان قوات الرضوان أن تحتل شمال إسرائيل".

وهنا تكمن العقدة الإسرائيلية الأكبر في أي تسوية مستقبلية: الخشية من أنه "في حالة وقف إطلاق النار، تقوم منظمة حزب الله بمساعدات وبإيحاء إيران باستعادة القوة العسكرية... ونرى بعد عام أو عامين أو ثلاثة أعوام حرباً أخرى بين إسرائيل وحزب الله".

أخبار ذات صلة

أميركا تفكك شبكة تنقل تقنيات دفاعية إلى إيران
هرمز على حافة الهاوية.. أسرار غرفة العمليات وحرب أوراق خفية

الهاجس النووي الإيراني: هل تدفع طهران ثمن التسوية على الجبهة اللبنانية؟

ولعل أكثر ما يثير القلق في تحليل نيسان هو الربط الذي يجريه بين مصير الجبهة اللبنانية والمفاوضات النووية الأوسع. كما، يعبر في الاثناء عن مخاوف المستويين العسكري والسياسي في إسرائيل من أن "الولايات المتحدة تخضع في نهاية الأمر لمطالب إيران"، وتحديداً "وهي تربط بين إمكانية التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وبين إيران، وبين الحرب بين إسرائيل وحزب الله". هذا الربط، في حال تحقق، سيفرض على إسرائيل -وفقا لنيسان- "ألا تواصل الحرب ضد حزب الله"، وهو ما تعتبره تل أبيب سيناريو كارثيا.

ومع ذلك، يطمئن نيسان بوجود تفاهمات معينة، مشيرا إلى بند جوهري في أي اتفاق محتمل برعاية الرئيس الأمريكي ترامب ورئيس الوزراء نتنياهو: "في حال تعرضت إسرائيل لأي تهديد، لها الحق أن تدافع عن نفسها".

ويوضح أن هذا "البند المهم" يعني أنه "إذا كانت هناك مشاكل أمنية تتعرض لها إسرائيل... سيكون لإسرائيل الحق للرد ولمهاجمة منظمة حزب الله أينما كانوا". ويختتم الباحث السياسي حديثه برسالة تطمينية -وإن كانت مشروطة- مفادها أن إسرائيل "ليست لها طموح بأي شبر من الأراضي اللبنانية"، مؤكداً أن الخلاف على النقاط الحدودية قابل للحل، لكن "منظمة حزب الله هي أساس المشكلة بين إسرائيل ولبنان".