في قلب العاصمة الصينية، وبينما لم تجف بعد أثر أقدام الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أرصفة المطار، حطّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في بكين، في زيارته الخامسة والعشرين إلى الصين، حاملا في حقيبته ما هو أثقل من بنود الاتفاقيات الاقتصادية: رسالة سياسية مُدوّية موجَّهة إلى واشنطن وإلى بقية العالم في آن واحد.

وتزامنت هذه الزيارة مع الذكرى الخامسة والعشرين لمعاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون بين البلدين، لتكتسب بذلك بعدا رمزيا استثنائيا.

وإذا كان المشهد الدبلوماسي يحتمل قراءات متعددة، فإن ما جاء على لسان الخبراء والمحللين في "غرفة الأخبار" على سكاي نيوز عربية لا يدع مجالا للتأويل: العالم يشهد مخاضا عسيرا لنظام دولي جديد، ولم يعد صناعُه في واشنطن وحدها.

بوتين في بكين.. اللحظة والرمز والرسالة

أشار الصحفي المتخصص في الشؤون الصينية تشو شيوان إلى أن توقيت زيارة بوتين لم يكن اعتباطيا بأي حال، إذ تأتي بعد أيام قليلة فحسب من مغادرة ترامب للمنطقة، مما يجعلها في تقديره مقصودة للفت الأنظار الدولية.

وأكد شيوان أن الزيارة أفرزت نتائج مثمرة خلال المباحثات، مشيرا إلى أن الصين تسعى في الوقت ذاته إلى تعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع روسيا، والعمل في الآن نفسه على تحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة، في إطار من الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة.

غير أن الكاتب الصحفي محمد الحمادي يرسم صورة أكثر وضوحا، ويفرّق بين زيارتين متقاربتين زمنيا لكنهما متباعدتان في الجوهر والمضمون. فبينما كانت زيارة الرئيس الأميركي تحمل في جوهرها أجندةً اقتصادية واضحة مع بعض الملفات السياسية، جاءت زيارة بوتين محورها الأساسي السياسة والمصالح المشتركة، وفق ما قاله الحمادي صراحة.

ويرى أن هناك هدفا معلنا وغير معلن في آن واحد: إنشاء قطب دولي يواجه القطب الأميركي.

ربع قرن من بناء القطب البديل

يستحضر أستاذ القانون الدولي العام عامر فاخوري ذاكرة الحدث المؤسِّس، مُعيدا القارئ إلى عام 2001، حين وقّعت الصين وروسيا معاهدة الصداقة في سياق دولي بالغ الحساسية: ما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي مباشرة، وتمدد حلف الناتو، وحرب صربيا.

ويلفت فاخوري إلى أن ديباجة تلك المعاهدة تضمّنت عبارة ذات دلالة قانونية وسياسية بالغة الأهمية، تقول صراحة إن الدولتين تهدفان إلى إيجاد نظام جديد مختلف عن النظام الحالي، يرفض الأحادية القطبية ويسعى إلى التعاون العادل.

ويرى فاخوري أن الزيارة الراهنة ليست حدثا منفردا، بل هي استكمال لمسيرة انطلقت منذ ربع قرن. فالرسالة التي يريد الرئيسان توجيهها واضحة لا لبس فيها: لم يعد مقبولاً أن تنفرد الولايات المتحدة بفرض العقوبات وإدارة الأزمات والتحكم في المؤسسات الدولية.

ويلتقي الحمادي مع هذه القراءة ويعمقها حين يقول إن الاستراتيجية الصينية الروسية عملت طوال خمسة وعشرين عاما تحديدا على بلوغ هذه اللحظة، مستدركا أن المسألة لا تزال في طور الاختبار: هل تستطيع الصين وروسيا فعليا أن تُفرزا قطبا ثانيا مؤثرا وفاعلا في ميزان القوى الدولي؟

الصين بين موسكو وواشنطن.. لعبة التوازن الدقيق

يُقدّم الباحث في مركز الإمارات للسياسات محمد الزغول أعمق قراءة في الموقف الصيني، إذ يُعيد فهم تطور العلاقة بين بكين وموسكو في ضوء مفهوم جديد يصفه بالتحوّل من الجيوبوليتيك إلى الجيواكونوميك، أي من مركزية العوامل الجغرافية السياسية إلى مركزية العوامل الاقتصادية في الصراع الدولي.

ويؤكد الزغول أن الصين هي سيدة هذه اللعبة ومن صنعتها أصلا.

في المقابل، يرى الزغول أن روسيا ظلّت أسيرة منطق الجيوبوليتيك، إذ لم يسمح لها موقعها الجغرافي ووضعها الداخلي بامتلاك المرونة الكافية للدخول في العصر الجديد، فبقيت مأخوذةً بهواجس الناتو والحدود الهشّة وذاكرة الاتحاد السوفيتي الممزّق التي لم تغادر وجدان بوتين والقيادة الروسية.

وقد أدّى احتياج روسيا المتزايد إلى الصين بفعل العقوبات الغربية إلى رفع المحتوى الاقتصادي في العلاقة بين البلدين على حساب المحتوى السياسي، إذ دأبت الصين على إبقاء شرايين الحياة الاقتصادية متدفقة نحو موسكو دون أن تنحاز إليها علنياً على الصعيدين العسكري والسياسي.

ويصف الزغول الدور الصيني هذا بأنه عملية ترويض تدريجي للمنطق الروسي في المشهد الدولي، وهو أمر لا تجد فيه واشنطن ولا أوروبا ما يُقلقها بالضرورة، بل إن ترامب ذاته لا يمانع هذا الدور الصيني المُهدِّئ لحدة التوترات الجيوسياسية.

موسكو وبكين ترفضان إدارة العالم يعقلية استعمارية وأحادية

أخطاء ترامب: هبةٌ استراتيجية لبكين

لا يتردد الزغول في القول إن الصين تستثمر بذكاء بالغ في أخطاء الرئيس ترامب وفي التصدع داخل التحالفات الأطلسية. وإذا كانت الامبراطوريات الصاعدة عبر التاريخ قد استثمرت في أخطاء الإمبراطوريات المهيمنة، فإن الصين اليوم خير مثال على ذلك، بحسب تعبيره.

ويستشهد الزغول بلحظة عالمية بالغة الخطورة تتمثل في ذهاب روسيا واقتطاع جزء من أوكرانيا والعالم يتفرج، وذهاب أميركا ومدّ نفوذها نحو فنزويلا ولا أحد يتحرك، في ظل شعور عام بعدم اليقين وتزايد هشاشة التحالف الغربي.

ويلفت فاخوري إلى أن هذه القمة جاءت لترسل رسالة واضحة: الصين وروسيا ستواجهان الأدوات الأميركية بمثلها؛ ويعني ذلك عمليا السعي نحو نظام مالي بديل يتخطى نظام سويفت، والدفع بالعملات المحلية، وسنّ تشريعات للردّ على العقوبات الأمريكية.

وقد أشار فاخوري إلى أنه قُبيل أيام من انعقاد القمة صدرت في الصين تشريعات جديدة تستهدف تحديدا مواجهة العقوبات الأمريكية المفروضة عليها.

هل ينتهي عصر الأحادية القطبية؟

لا ينزلق المحللون الثلاثة إلى إعلان نهاية الهيمنة الأمريكية بصورة قاطعة. يرى شيوان أن هذه العملية ستأخذ وقتا طويلا يمتد بين عشرين وثلاثين عاماً، وأن الهيمنة الأمريكية ستتراجع بشكل تدريجي لا مفاجئ. ويرى أن ذلك سيرافقه صعود تدريجي لدول الجنوب وقوى ناشئة عدة.

أما فاخوري فيُقرّ بأن الوصول إلى مرحلة الندّية الحقيقية مع المنظومة المالية الأميركية لم يتحقق بعد، رغم المسافة الكبيرة التي قُطعت. في المقابل، يرى الحمادي أن الرغبة الدولية في قطب بديل موجودة وحقيقية، لأن سنوات الأحادية القطبية لم تخدم العالم في مجمله، شرقاً وغرباً.

ويستدرك الزغول بقوله إن ظهور قطب ثانٍ بات حاجةً دولية ملحّة في ظل مسار أفضى إلى حالة من اللانظام الدولي وتصاعد الفوضى، وإن الصين تدير صعودها بحذر بالغ عبر استثمار أخطاء الطرف الآخر وتوظيف لحظة عدم اليقين التي يمر بها النظام الدولي.