في أوائل ديسمبر 2023، ظهرت تقارير تفيد بأن قناصا في القوات الخاصة التابعة لجهاز الأمن الأوكراني يُدعى فياتشيسلاف كوفالسكي، ويبلغ من العمر حاليا 60 عاما، نجح في إصابة ضابط روسي من مسافة تقارب 4 كيلومترات، محطما الرقم القياسي السابق لأطول إصابة قنص بنحو 259 مترا.
لكن "كوفالسكي" لم يعد يُرسل في مهام قنص منذ نحو عام ونصف، بعدما تحوّل دوره إلى دعم مشغلي الطائرات المسيّرة.
وذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن "الطائرات الصغيرة الرخيصة المزودة بالمتفجرات غيّرت طبيعة الحرب في أوكرانيا، تاركة القناصة بلا عمل". ولم يقتصر الأمر على القناصة فقط، بل تراجع أيضا دور مراقبي المدفعية وأطقم الدبابات، بعدما أصبحت المدفعية والدبابات أهدافا رئيسية للطائرات المسيّرة.
إلا أن القناصة كانوا الأكثر تضررا، لأن الدرونز أصبحت أكثر كفاءة في أداء المهام الأساسية للقناصة، مثل الاستطلاع وتحديد الأهداف وتصفيتها. فالطائرات المسيّرة توفر مجال رؤية أوسع وقدرة حركة أعلى، كما أن خسارة طائرة مسيّرة لا تُقارن بخسارة قناص محترف.
وقال كوفالسكي، الذي يحمل "الرقم القياسي غير الرسمي" لأطول إصابة قنص ناجحة، للصحيفة: "الطائرات المسيّرة أكثر كفاءة وأقل تكلفة ببساطة". وأضاف: "في الماضي كان الجميع يتحركون حولي بصفتي قناصا، أما الآن فأنا والجميع نتحرك حول مشغلي الطائرات المسيّرة".
بطولة سينمائية
واشتهر كوفالسكي بعد تنفيذ عملية القنص بعيدة المدى التي وصفتها أوكرانيا بأنها "رقم قياسي" في نوفمبر 2023، حتى إن جنودا أوكرانيين شبابا كانوا يلتقطون الصور معه، كما نشر مغني الراب الأميركي "ييت" صورته على وسائل التواصل الاجتماعي.
وانضم كوفالسكي إلى قائمة القناصة الأسطوريين في التاريخ، ومن بينهم القناصة الأوكرانية لودميلا بافليتشينكو الملقبة بـ"سيدة الموت" خلال الحرب العالمية الثانية، وكريس كايل، قناص قوات النخبة الأميركية "سيلز" الذي اعتُبر الأكثر فتكا في تاريخ الجيش الأميركي خلال حرب العراق، والذي جُسدت قصته في فيلم "American Sniper" عام 2014.
لكن شهرة كوفالسكي بدأت تتراجع على خطوط المواجهة مع تزايد انتشار الطائرات المسيّرة، حيث طور الجنود الروس قدراتهم على التمويه والاختباء، ما جعل العثور على أهداف أمرا أكثر صعوبة لوحدته. وفي عام 2024، نُشر كوفالسكي خمس مرات دون أن يتمكن من إصابة أي هدف، بحسب التقرير.
وفي إحدى مهامه الأخيرة، رصد فريقه جنودا روسا يختبئون داخل خندق على بعد نحو 2.4 كيلومتر، لكنهم كانوا يختبئون تحت الأرض نهارا، ولم يكن لديه معدات الرؤية الليلية اللازمة لتنفيذ عملية القنص. وفي النهاية، قامت طائرات أوكرانية مسيّرة بقصف الموقع.
مساعد للدرون
ويؤدي كوفالسكي حاليا دورا داعما لمشغلي الدرونز، حيث يساعدهم في الوصول إلى مواقعهم، ويجهز الطائرات بالمتفجرات، وأحيانا يوفر دعما ملاحيا.
وتتمتع الطائرات المسيّرة بمزايا عديدة مقارنة بالقناصة. ففي الاستطلاع، لا يستطيع القناص مجاراة الرؤية الجوية الواسعة أو السرعة العالية للدرونز. كما يمكن للطائرات الالتفاف حول الزوايا، بينما تحمل رؤوسا متفجرة أكثر تدميرا من طلقات القنص.
وفي حين يحتاج القناصة من 3 إلى 5 دقائق لرصد تحركات العدو وتوجيه نيران المدفعية، يستطيع مشغلو الدرونز تنفيذ الضربات فور اكتشاف الهدف تقريبا.
ويعمل القناصة عادة ضمن فرق من شخصين على الأقل، ويحملون معدات ثقيلة تشمل بنادق كبيرة العيار وطائرات استطلاع صغيرة وكاميرات ومولدات كهربائية، ويضطرون للسير حتى 10 كيلومترات مع الحفاظ على التخفي وتجنب رصد طائرات العدو المسيّرة.
وقال كوفالسكي: "مشغل الطائرة المسيّرة الشاب يمكنه ببساطة الجلوس داخل ملجأ وإطلاق الدرون".
كما أصبح اختباء القناصة قرب خطوط العدو أكثر خطورة بسبب طائرات الاستطلاع الحرارية التي تستطيع رصد حرارة أجسادهم.
ورغم ذلك، لم يصبح القناصة بلا فائدة تماما. فالولايات المتحدة وبريطانيا ودولا أخرى ما تزال تدرب القناصة وتطور برامجهم للتعامل مع الانتشار الواسع للطائرات المسيّرة. وقال متحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية إن "الجيش الأميركي لا يزال يدرب العدد نفسه من القناصة، مع تعديل البرامج التدريبية لمواجهة انتشار الدرونز".
ويظل القناصة عنصرا مهما في الحروب الحديثة، لأنهم لا يتأثرون بالتشويش الإلكتروني ولا يتركون بصمات إلكترونية. كما يمكنهم العمل في ظروف الطقس السيئ التي تعيق أداء الطائرات المسيّرة، مثل الضباب والدخان. ويتدرب القناصة الأوكرانيون أيضا على إسقاط طائرات "شاهد" الإيرانية بعيدة المدى المستخدمة من قبل روسيا.