أثار تنفيذ القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا "أفريكوم" ضربات جوية جديدة ضد تنظيم "داعش" في نيجيريا، تساؤلات بشأن أهداف واشنطن من إعادة تنشيط حضورها في ملف مكافحة الإرهاب بالقارة، بعد سنوات من تقليص الانخراط العسكري المباشر والاكتفاء بالدعم الاستخباراتي، فضلا عن تداعيات ذلك على محاولات تمدد التنظيم في إفريقيا.
وتصاعدت التحركات الأميركية مؤخرا، التي أسفرت عن مقتل الرجل الثاني في تنظيم داعش أبو بلال المينوكي، فضلا عن استمرار الضربات المركزة.
ويرى مختصون في الشؤون الإفريقية وخبراء أمنيون أن التطورات الأخيرة تعكس تحولات متسارعة في خريطة المواجهة مع التنظيمات المتشددة بمنطقة الساحل وغرب إفريقيا، وسط مؤشرات على تصاعد التنسيق الأمني والعسكري بين الولايات المتحدة ودول الإقليم، وعلى رأسها نيجيريا، في الوقت الذي تتخوف به دول الجوار من "ضربات انتقامية" تشنها "داعش".
ماذا حدث؟
أعلنت "أفريكوم"، الإثنين، أنها نفذت الضربات بالتنسيق مع الحكومة النيجيرية، بعدما أكدت المعلومات الاستخباراتية أن الأهداف كانت لعناصر تابعة لتنظيم "داعش"، مشددة على أن "القضاء على هؤلاء الإرهابيين يحد من قدرة التنظيم على التخطيط لهجمات تهدد أمن وسلامة الولايات المتحدة وشركائها".
وأكدت "أفريكوم" التزامها بمواصلة توظيف القدرات الأميركية المتخصصة دعما لشركائها من أجل مواجهة التهديدات الأمنية المشتركة والقضاء عليها.
وبالتزامن، أكد الجيش النيجيري استمرار العمليات العسكرية المنسقة ضد عناصر تنظيم "داعش" شمال شرقي البلاد، مع تنفيذ غارات جوية جديدة في منطقة ميتيلي بولاية بورنو.
وقال الجيش إن عدة غارات جوية جرى تنفيذها، وأسفرت عن مقتل أكثر من 20 عنصرا منتمين لتنظيم "داعش" وفرعه الإقليمي "ولاية غرب إفريقيا"، مشيرا إلى أن الهجوم الأخير يأتي ضمن حملة مكثفة لتفكيك الشبكات الإرهابية في المنطقة، وذلك بعد فترة وجيزة من الإعلان عن تصفية المينوكي.
وشددت السلطات العسكرية على أن العمليات المتواصلة تستهدف تقويض القدرات العملياتية للجماعات المسلحة وإخراجها من ساحة القتال، ومنع إقامة أي ملاذات آمنة لها داخل الأراضي النيجيرية، مؤكدة أن "جميع التهديدات التي تستهدف استقرار الدولة سيتم التعامل معها بحسم".
وخلال السنوات الماضية، عزز تنظيم "داعش-ولاية غرب إفريقيا" نفوذه في شمال شرق نيجيريا، مستفيدا من هشاشة الحدود وتراجع التنسيق الأمني الإقليمي، قبل أن يبدأ في توسيع شبكاته اللوجستية ومسارات تحركه عبر الساحل، بما يربط بين بؤر التوتر الممتدة من مالي والنيجر وصولا إلى حوض بحيرة تشاد.
حضور أميركي
قال الباحث المتخصص في الشؤون الإفريقية جبرين عيسى لـ"سكاي نيوز عربية"، إن الضربات الأخيرة ضد تنظيم "داعش" في نيجيريا تحمل عدة دلالات استراتيجية، في مقدمتها أن "الولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى إفريقيا باعتبارها ساحة ثانوية أو مهمشة، كما بدا خلال السنوات الماضية، سواء في الولاية الأولى لدونالد ترامب أو حتى في بدايات ولايته الثانية".
وأوضح عيسى أن "واشنطن باتت تنظر إلى ما يجري في منطقة الساحل من زاوية ترتبط مباشرة بالأمن القومي الأميركي، لا سيما مع تنامي دور القيادات العابرة للحدود داخل التنظيمات الإرهابية، وقدرتها على التخطيط والتنسيق إقليميا"، مضيفا أن "استهداف قيادات بارزة مثل المينوكي واستمرار الضربات ضد عناصر التنظيم، يعكس تحولا واضحا في مستوى الاهتمام الأميركي بملف مكافحة الإرهاب في إفريقيا".
وأشار إلى أن "العملية بعثت أيضا برسالة سياسية وأمنية إلى نيجيريا ودول الجوار، مفادها أن الشراكة الاستخباراتية والعملياتية مع الولايات المتحدة لا تزال قائمة وفعالة، وأن التعاون بين الجانبين كان عاملا رئيسيا في نجاح العملية".
وبشأن التأثيرات المحتملة على دول الساحل، أكد عيسى "وجود تعاون أمني واستخباراتي مكثف بين القيادة الأميركية في إفريقيا والأجهزة الأمنية والاستخباراتية في دول حوض بحيرة تشاد، خاصة نيجيريا والنيجر وتشاد والكاميرون"، موضحا أن هذا التنسيق هو ما أتاح تعقب واستهداف المينوكي، الذي يعد من أبرز قيادات تنظيم داعش عالميا.
ماذا بعد الضربات الأميركية؟
فيما يتعلق بتداعيات العملية على نيجيريا، قال عيسى إن "أبوجا حققت مكاسب سياسية وأمنية واستخباراتية مهمة، بعدما أثبتت أنها شريك أساسي لواشنطن في ملف مكافحة الإرهاب، وتنفيذ العمليات بهذا المستوى يعكس تصاعد أهمية نيجيريا في الحسابات الأمنية الأميركية داخل القارة".
ورجح الباحث المتخصص في الشؤون الإفريقية أن تشهد المرحلة المقبلة محاولات انتقامية من جانب تنظيم داعش، قد تتمثل في هجمات محدودة أو تفجيرات تستهدف قرى نائية أو نقاطا أمنية في نيجيريا ودول حوض بحيرة تشاد، بهدف إثبات الوجود وإرسال رسائل ردع، لكنه استبعد في الوقت ذاته حدوث انهيار أمني شامل، مرجحا أن تكون هذه الاضطرابات مؤقتة ومرتبطة بحالة الارتباك داخل هيكل التنظيم بعد فقدان أبرز قياداته.
وأكد عيسى ضرورة "استغلال الحكومات الإفريقية لحالة الارتباك داخل التنظيم لتكثيف الضغط عليه، بالتوازي مع إطلاق خطط تنموية حقيقية في مناطق الهشاشة، خصوصا في حوض بحيرة تشاد".
في المقابل، أشار مستشار شؤون نيجيريا في مجموعة الأزمات الدولية نامدي أوباسي، في حديثه لموقع "سكاي نيوز عربية"، إلى أن الضربات العسكرية المشتركة الأخيرة تعكس تنامي الشراكة الأمنية بين أبوجا وواشنطن، إذ أن "الولايات المتحدة قدمت دعما نوعيا للجيش النيجيري، شمل الإسناد الاستخباراتي والمشورة العسكرية والتدريب المتخصص".
وأضاف أن "هذه العمليات تمثل مؤشرا على تحول استراتيجي في مقاربة القيادة الأميركية في إفريقيا، خاصة بعد انسحاب القوات الأميركية من النيجر وإغلاق القاعدة الجوية 201 عام 2024"، لافتا إلى أن "نيجيريا تتجه تدريجيا لتصبح مركزا رئيسيا للأنشطة الأميركية المرتبطة بجمع المعلومات الاستخباراتية، والمراقبة الجوية بالطائرات المسيّرة، والوجود الاستشاري، إلى جانب متابعة التهديدات الأمنية في منطقة حوض بحيرة تشاد".
بيئة إفريقية معقدة
ومن فرنسا، قال الأكاديمي الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية عبد الرحمن مكاوي، إن استمرار الضربات الأميركية بعد مقتل المينوكي في منطقة بحيرة تشاد "يمثل تطورا أمنيا بالغ الأهمية في مسار المواجهة مع التنظيمات المتشددة في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، خاصة أن تلك العناصر تصنف باعتبارها أخطر القيادات الميدانية وأكثرها نشاطا داخل شبكات داعش في القارة".
وأوضح مكاوي في حديث لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن "العمليات الراهنة تنفذ في بيئة جغرافية معقدة شديدة الوعورة، تمتد عبر مناطق الأدغال والغابات الكثيفة على الحدود بين نيجيريا والنيجر وتشاد، وهي مناطق طالما شكلت ملاذا آمنا للتنظيمات المسلحة"، مضيفا أن نجاح القوات الأميركية، لا سيما وحدات العمليات الخاصة، بالتعاون مع الجيش النيجيري، في تنفيذ العملية يعكس مستوى عاليا من التنسيق الاستخباراتي والعملياتي.
ورأى أن "تتابع العمليات يحمل رسائل مباشرة إلى الجماعات المتشددة الناشطة في الساحل، سواء المرتبطة بتنظيم القاعدة أو داعش، في ظل التصعيد الأمني الأخير في مالي وبعض دول المنطقة"، مشيرا إلى أن "واشنطن تسعى إلى تأكيد استمرار حضورها الاستخباراتي والعسكري في الساحل، رغم الانسحاب الفرنسي وتراجع الوجود الأوروبي خلال السنوات الأخيرة".
واعتبر الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، أن "الفراغ الأمني الذي خلفه انسحاب القوات الفرنسية والأوروبية من منطقة الساحل فتح المجال أمام قوى أخرى لملء المشهد، من بينها مجموعات روسية خاصة وتنظيمات مسلحة وشبكات إقليمية متداخلة، مما دفع الولايات المتحدة إلى إعادة تعزيز حضورها الإقليمي عبر أدوات عسكرية واستخباراتية وشراكات أمنية جديدة، وبالتالي فهي تحاول من خلال هذه العمليات والتحركات العسكرية، إعادة بناء توازن ردعي جديد في منطقة الساحل وشمال إفريقيا، في ظل تنامي التهديدات العابرة للحدود واتساع نشاط التنظيمات الإرهابية في الإقليم".