في تصعيد لافت يعيد رسم ملامح المشهد الأمني الخليجي، كشفت الكويت عن إحباطها محاولة تسلل عناصر مسلحة تتبع الحرس الثوري الإيراني إلى أراضيها عبر البحر، مستهدفة جزيرة بوبيان الاستراتيجية.

جاء هذا الحادث ليضاف إلى سلسلة متلاحقة من الكشوفات الأمنية في دول الخليج، شملت تفكيك البحرين شبكة تخريبية واعتقال 41 مشتبها بها، وضبط قطر خليتين مرتبطتين بالحرس الثوري في مطلع مارس الماضي، فضلا عن إعلان دولة الإمارات تفكيك تنظيمين إرهابيين خلال مارس وأبريل، أحدهما مرتبط بحزب الله والآخر بولاية الفقيه مباشرة.

وفي هذا السياق المتشعب والبالغ الدلالة، أدلى المدير العام لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، الدكتور سلطان النعيمي، بتحليل معمق إلى سكاي نيوز عربية، قدم فيه قراءة تفصيلية لطبيعة التهديد الإيراني وأبعاده الاستراتيجية.

الكويت تستدعي سفير إيران بعد إحباط محاولة "تسلل إيرانية"

أكد النعيمي أن ظهور أكثر من 12 خلية إيرانية في دول الخليج خلال 27 يوما فحسب ليس حدثا طارئا أو آنيا معزولا، مشيرا إلى أن هذه الخلايا لم تولد في اللحظة التي كشف فيها أمرها، بل إنها كانت خلايا نائمة معدة سلفا ومدربة لساعة الصفر، وهي الساعة التي يحددها النظام الإيراني حين يرى أن الظرف قد نضج للانتقال بها من حالة الكمون إلى حالة الفاعلية الميدانية.

وأوضح أن هذا النهج ليس وليد الحرب الأخيرة أو تداعياتها، بل هو ديدن النظام الإيراني المتواصل منذ ما يسمى بالثورة الإسلامية، مستشهدا بعمليات التفجير التي نفذت في الثمانينيات عبر فصائل يطلق عليها حزب الله، قبل أن يستقر الاسم لاحقا على التنظيم اللبناني المعروف، بينما توزعت فصائل مماثلة في البحرين والسعودية وغيرهما من دول الخليج تحت مسمّيات متعددة.

تسلل الضباط إلى الكويت.. تصعيد من نوع آخر

وصف النعيمي الكشف عن محاولة تسلل ضباط من الحرس الثوري نحو جزيرة بوبيان الكويتية بأنه يمثل تصعيدا بالغ الخطورة ومختلف النوع، إذ لا يقتصر الأمر على وجود أفراد وعناصر موالية، بل يمتد ليشمل ضباطا عسكريين يحتمل انتماؤهم إلى شبكة الخلايا النائمة الموجودة في دول الخليج.

وقرأ النعيمي هذا الحادث على أنه رسالة صريحة ومكشوفة تؤشر إلى أن مدركات دول المنطقة لطبيعة التهديد الإيراني باتت أكثر يقينا ووضوحا مما كانت عليه في مراحل سابقة.

وشدد النعيمي على أن هذا التهديد لا يقتصر جغرافيا على دول الخليج الست، بل يمتد ليطال سلطنة عُمان التي لا تستثنيها طبيعة النظام الإيراني من مساعيه التوسعية، مؤكدا أن إطلاق الصواريخ والمسيرات باتجاه السلطنة خلال الحرب الأخيرة دليل على أن وجود خلايا نائمة فيها ليس احتمالا بعيدا.

ورأى أن النظام الإيراني يتعمد النظر إلى دول الخليج كيانات متفرقة ومنفصلة، لا ككتلة واحدة، وهو ما يمثل في حد ذاته أداة استراتيجية يوظفها لإضعاف التضامن الجماعي.

الإمارات.. تفكيك تنظيم إرهابي خطط لزعزعة أمن الدولة

الهندسة الخفية للخلايا.. شبكة عابرة للحدود

كشف النعيمي عن بنية هرمية معقدة تجمع الخلايا النائمة عبر دول الخليج المختلفة، نافيا أن تكون أي خلية بمعزل عن الأخريات، ومضربا المثل بخلية العبدالي الكويتية التي تبين ارتباطها بخلايا في الإمارات والمملكة العربية السعودية والبحرين.

وأوضح أن أجهزة الأمن الخليجية تتابع أحيانا خلايا معروفة لها، لا لأن إمكاناتها محدودة، بل لأن مراقبة الخلية الواحدة قد تفضي إلى كشف شبكة أوسع وأكثر تشعبا تربط خلايا متعددة في أكثر من دولة.

وفصل النعيمي آليات تجنيد هذه الخلايا وإعدادها، لافتا إلى تقارير إعلامية غير سرية تكشف أن النظام الإيراني يجمع عناصر مغررا بها ويخضعها للتدريب في جزر إيرانية وفي جنوب لبنان وأماكن أخرى.

وأكد أن الدين يستخدم أداة محورية في عمليات غسيل الأدمغة وكسب الولاء، غير أنه ميز بوضوح بين من وقعوا ضحية للتضليل في بداياتهم، وبين من انتهجوا هذا الطريق وعيا وإرادة، مؤكدا أن هؤلاء لا يستحقون التعاطف، لأنهم اختاروا الانتماء إلى منظومة تبني تحت الأرض بدل أن تبني فوقها.

وأبدى النعيمي يقينا تاما بأن أجهزة الأمن في دول الخليج تتمتع بوعي استراتيجي ناضج وعيون مفتوحة تتابع هذه الشبكات باستمرار، مشيرا إلى أن دولة الإمارات ودول مجلس التعاون استثمرت بكثافة في تطوير هذه الأجهزة وبنائها على أسس متينة.

البحرين تعلن الكشف عن خلية إرهابية جديدة تابعة لحزب الله

المهادنة أم الصلابة؟.. معادلة المصير المشترك

خلال تصريحات النعيمي، حذر من أن الانخراط الدبلوماسي غير المشروط مع النظام الإيراني يقرأ في طهران مهادنة تمنحها مزيدا من الجرأة لا خطوة نحو الاستقرار.

واستذكر النعيمي تجربة اتفاق 2015 النووي، مؤكدا أن دول الخليج كانت غائبة عن طاولة المفاوضات آنذاك، ما أفضى إلى إهمال ملفات جوهرية كالبرنامج الصاروخي والسلوك الإقليمي ودعم التنظيمات المسلحة.

ورأى أن المشهد اليوم ينبئ بتكرار الخطأ ذاته، في حال لم تعمل دول الخليج ككتلة واحدة موحدة تدرج شروطها على قمة أي مفاوضات مرتقبة، داعيا إلى تبني مقاربة تجمع بين الحكمة الدبلوماسية والصلابة في الموقف، لا الاكتفاء بواحدةٍ منهما على حساب الأخرى.

وأكد النعيمي أن الوجود المنظّم للخلايا النائمة ليس ظاهرة عفوية أو تعاطفية، بل هو بناء بنيوي محكم أسسه النظام الإيراني لتوسيع محيطه الأمني في المنطقة، معتبرا أن ذلك نابع من إدراك النظام لهشاشة شرعيته الداخلية، وحاجته الدائمة إلى تصدير تهديداته خارج حدوده.

وختم بتحذير بالغ الدلالة: إذا لم تستفِق دول الخليج على ضرورة المصير المشترك ومواجهة النظام الإيراني بصوت جماعي موحد وبقواعد علاقات واضحة وصارمة، فإن العشرات من الخلايا النائمة التي كُشفت اليوم قد تتحول غداً إلى آلاف.