كشفت الوثيقة الاستراتيجية للبيت الأبيض أن الولايات المتحدة لم تكتفِ بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين رسميا "كمنظمة إرهابية أجنبية"، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك بكثير، إذ اعتبرت أن التنظيم شكّل "المظلة الأم" التي خرجت منها كل التنظيمات المتشددة كالقاعدة وداعش.

وكشف الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية أحمد بان، في حديث لـ "سكاي نيوز عربية" ضمن برنامج ستوديو وان مع فضيلة عن قراءة تحليلية لوثيقة استراتيجية البيت الأبيض لمكافحة الإرهاب لعام 2026.

وثيقة يصفها بان بأنها تمثّل "انعطافة حادة" في مسار السياسة الأميركية، لا في مواجهة الإرهاب وحسب، بل في تعريف جوهر التهديد ومصدره الأصيل، حيث ستُستخدم أدوات التصنيف الجديدة لمواصلة الضغط على شبكات الإخوان العالمية ومنعها من التجنيد أو التمويل ضد الولايات المتحدة.

انعطافة ترامب.. من التغاضي إلى المواجهة الشاملة

أكد بان أن ما تشهده المرحلة الراهنة يمثّل تحولا جذريا بدأت ملامحه مع الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، الذي بدا "أكثر حزما في بناء مقاربة شاملة لمكافحة التطرف والإرهاب".

ولفت إلى أن ما ظلّ يقال ويحذر منه طويلا بات اليوم موثّقا في وثيقة رسمية صادرة عن أعلى مستويات الإدارة الأمريكية، إذ تقرّ الاستراتيجية صراحة بأن تنظيم الإخوان "شكّل المظلة التي خرجت منها مختلف التنظيمات المتشددة، كالقاعدة وداعش".

وأشار الباحث إلى أن الإدارات الديمقراطية السابقة كانت تتعمّد "توظيف هذا اللاعب في ابتزاز القرار الوطني للدولة العربية"، وتغضّ الطرف عنه، بل تراهن عليه في إحداث فوضى في العالم العربي تحت مسمّى "الربيع العربي". أما اليوم، فتبدو الإدارة الأميركية "حاسمةً لأول مرة" في اعتبار الإخوان المظلة الأم لكل ألوان العنف والإرهاب.

"الإخوان".. علاقات بالقاعدة وداعش

مقاربة شاملة.. الإرهاب والجريمة في سلّة واحدة

تتبنّى الاستراتيجية الجديدة، وفق ما رصده أحمد بان ، مقاربة موسّعة لا تفرّق بين عصابات الجريمة المنظمة وكارتلات المخدرات وشبكات التهريب والتنظيمات الإرهابية العقائدية.

ويرى بان أن هذا التوجه يؤشر إلى "تقارب أكبر" بين واشنطن وحلفائها في العالم العربي، بهدف بناء استراتيجية موحّدة تعتبر الإخوان الخطرَ الرئيسي، وهو ما وصفه بأنه "أمر جديد له أبعاده في التدابير المشتركة لحصار هذا التنظيم".

واعتبر بان أن الإخوان حركة تعاني من "شيخوخة" أصابت بنيتها التنظيمية، فتصدّعت إلى مستويات متعددة، وأفلست قيمياً وأخلاقيا وسياسيا. ولم تفِ بوعودها للشارع في تجارب الحكم التي خاضتها في مصر والسودان وغيرهما، بل "صاحبها الخراب والتقسيم" في كل دولة أدارت مقدّراتها.

غير أن الباحث نبّه إلى أن معاقل التنظيم التقليدية في العالم العربي والإسلامي لم تعد قائمة، فيما باتت الدول الأوروبية والولايات المتحدة تمثّل "حاضنةً ورئةً" تُمكّنه من الاستمرار.

ولهذا، يُجزم بان بأن حرمان التنظيم من هذه "الرئة" عبر تدابير حقيقية، لا سيما في القارة الأوروبية التي وصفتها الاستراتيجية بأنها "جسرٌ" تعبر من خلاله هذه المجموعات، سيُفضي إلى "نهاية حقيقية" للتنظيم وتقليص واسع لقدراته.

أخبار ذات صلة

هل تعيد واشنطن صياغة مفهوم الإرهاب عبر بوابة الإخوان؟
من التحالف إلى المواجهة.. كيف انفجرت أزمة الدبيبة والإخوان؟

الخناق المالي.. مفتاح الحسم

على صعيد آليات المواجهة، رأى الباحث أن الولايات المتحدة تمتلك أدواتٍ ناجعة لحصار تمويل التنظيم عبر نظام المبادلات الدولية وأدوات الرقابة المالية لوزارة الخزانة، بما يشمل ملاحقة التنظيم حتى في "دول الأوفشور" التي لا تخضع لرقابة مالية. وخلص إلى أن "المال هو عصب حركة هذا التنظيم"، وأنه إن جرد من شريانه المالي، لن يتمكّن من مواصلة نشاطه.

أبدى بان قلقا بالغا من الموقف الأوروبي الذي وصفه بـ"المخاتل والمراوغ"، مستشهدا بالتقرير البريطاني الصادر عام 2017 الذي اكتفى بوصف الجماعة بـ "الجسر المحتمل للتطرف"، مؤكدا أنه بعد ثبوت تورط الجماعة في العنف على ساحات متعددة، "لا يمكن الإبقاء على هذا التوصيف". ودعا إلى حوار أوسع بين المنطقة العربية وأوروبا لبلوغ موقف موحّد وتدابير مشتركة.

ثغرة أفريقيا.. الغائب الأكبر في الاستراتيجية

ختم بان تحليله بتسليط الضوء على ما اعتبره "ثغرة كبيرة" في الاستراتيجية الأميركية، تتمثّل في تخفيف البصمة الأميركية في أفريقيا.

ونبّه إلى أن الانسحاب الفرنسي والأميركي من منطقة الساحل أفرز فراغا لم تنجح قوات فاغنر في سدّه، في ظل هشاشة بنية الدول وضعف الجيوش النظامية في تلك المنطقة، وهو ما يُشكّل، بحسبه، تهديدا حقيقياً لأمن منطقة الساحل بأسرها.