خرجت إيران من أسابيع الحرب كدولة تقف فوق أرض متشققة: اقتصاد يتفكك، مجتمع يزداد فقرا وغضبا، بنية تحتية أصابها القصف والشلل. غير أن الكارثة، وفق مراقبين، لم تبدأ من الجبهات وحدها، بل من داخل غرفة القرار، حيث تنازع معسكر سياسي-أمني يبرز فيه محمد باقر قاليباف، ومعسكر عسكري يمسك بمفاتيح الحرب والردع يمثله الحرس الثوري وقيادته، لا على تجنّب الحرب، بل على إدارة ثمار التصعيد وحدود الكلفة.

تصعيد بلا مكاسب

لم يكن الخلاف، في جوهره، بين من أراد السلام ومن أراد الحرب، بل بين أجنحة رأت في التصعيد وسيلة لترميم النفوذ وتثبيت المواقع داخل النظام. الساسة حاولوا استثمار الأزمة سياسيا، والحرس تعامل معها كاختبار للردع والهيبة، والمتشددون جعلوا أي تراجع مرادفا للهزيمة. وهكذا تحولت الدولة إلى رهينة معادلة قاتلة: قرار موزع، كلفة مؤجلة، وشعب يُطلب منه الصمود فوق ركام خيارات لم يصنعها.

وتقول "رويترز" إن الحرب دفعت السلطة عمليا إلى دائرة أضيق وأكثر تشددا، تتمحور حول مجلس الأمن القومي ومكتب المرشد والحرس الثوري، مع توسع نفوذ الحرس في الاستراتيجية العسكرية والقرارات السياسية الكبرى. وبذلك، لم تعد إيران تتحرك بعقل دولة توازن بين الحرب والاقتصاد والمجتمع، بل بمنطق جهاز أمني يرى في الصمود غاية، ولو كان فوق ركام المدن والمصانع.

فاتورة شعبية صادمة

والأرقام أشد قسوة من الخطاب. فقد قدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن التصعيد قد يخفض نمو الناتج المحلي الحقيقي في إيران بما بين 8.8 و10.4 نقطة مئوية مقارنة بسيناريو عدم الحرب، وأن يدفع ما بين 3.5 و4.1 مليون إيراني إضافي إلى الفقر، فوق واقع سابق كان فيه نحو 36.3 بالمئة من السكان، أي قرابة 32.7 مليون شخص، يعيشون تحت خط 8.3 دولارات يوميًا.

وفي الشارع، لم يعد الانهيار رقما في تقرير دولي. الريال هبط إلى مستوى قياسي بلغ 1,810,000 ريال للدولار، متراجعا نحو 15بالمئة في يومين، بينما بلغ التضخم السنوي 65.8 بالمئة، بعد عام فقدت فيه العملة نحو 70 بالمئة من قيمتها. هذه ليست أزمة سعر صرف فقط، بل انهيار ثقة حين يتحول الراتب إلى ورقة تذوب قبل أن تصل إلى السوق. 

وفي تقدير عضو المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، مهدي عقبائي، فإن "ما تمر به إيران حاليا يعكس حصيلة سنوات من السياسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي أخفق النظام في إدارتها".

وأشار في تصريحات لموقع "سكاي نيوز عربية"، إلى أن "تداعيات الحرب الجارية وتزايد الإنفاق العسكري فاقما من حدة الأزمة، في وقت يتحمل فيه المواطن الإيراني العبء الأكبر على حساب أوضاعه المعيشية، بينما يواجه الاقتصاد ضغوطا متزايدة بين أزمات داخلية مزمنة وتداعيات التوجهات العسكرية للنظام الذي لا يرى إلا مصالحه فقط".

أخبار ذات صلة

تحركات عسكرية لافتة.. هل تقترب المواجهة مع إيران؟
كوريا الجنوبية تدرس الانضمام للعملية الأميركية في مضيق هرمز

اقتصاد يختنق وجوار يبتعد

وتحت هذا الضغط، تغيرت وظيفة المواطن من العيش إلى النجاة. "رويترز" نقلت أن أسعارا ارتفعت في بعض الحالات بنحو 40 بالمئة منذ بدء الحرب، وأن مصانع ومحطات كهرباء وسكك حديد ومطارات وجسورا تعرضت للتدمير، فيما تبخرت آلاف الوظائف وانقطعت سلاسل إنتاج.

أما النفط، ورقة طهران الأثمن، فتحول إلى نقطة اختناق مع ضغط الحصار واضطراب الشحن، في مشهد يلخص مأساة دولة تمتلك موردا ضخما ولا تستطيع بيعه كما تريد.

ولم تقف الكلفة عند المال. فمع اتساع الخسائر، لم تنتج السلطة مراجعة سياسية، بل مزيدا من التشدد، لأن كل جناح يخشى أن يدفع وحده ثمن الاعتراف بالفشل. وهكذا ترجمت معارك القمة إلى خوف في القاعدة: عائلات تبحث عن الأمان، عمال يفقدون وظائفهم، وأسواق تتعامل مع كل يوم باعتباره أزمة جديدة.

خارجيا، تبدو العزلة أعمق لأنها وصلت إلى الجوار لا الغرب فقط. فإيران التي اعتمدت طويلا على قنوات تجارة وتنفس اقتصادي عبر محيطها، وجدت نفسها أمام خليج أكثر تشددا في حساباته، بعدما خلقت الهجمات الإيرانية على دول الخليج، وفق مسؤول إماراتي نقلت عنه رويترز، "فجوة ثقة ضخمة" قد تستمر لعقود.

والحرس الثوري هو الآخر كان حاضرا بقوة في أزمة "القرار الإيراني"، إذ اعتبر عضو المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، أن "الحرس شدد قبضته على القرار في زمن الحرب، ما دفع موقف طهران التفاوضي إلى مزيد من التصلب ورفض أي تسوية، ولذلك فإن الحرس يستخدم ذراعي النظام معا في هذه المرحلة؛ فمن جهة يعرقل ويشدد ويرفع السقف، ومن جهة أخرى لا يغلق باب التفاوض نهائيا".

وأكد أن "الحرس خرج من الحرب بعد وقف إطلاق النار وهو يشعر بأن صورته تعرضت لهزة كبيرة، لذلك، يحاول تعويض ما أصابه عسكرياً وأمنياً بمزيد من التشدد السياسي والإمساك بمفاصل القرار، إلى جانب تصاعد دعوات المتشددين إلى مواقف أكثر تطرفا بعد الحرب، تعكس بوضوح أن الحرس يتصرف بعقلية إدارة أزمة بقاء".

وعلى هذا النحو، قالت الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الدولية والاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان في تصريحات لموقع "سكاي نيوز عربية"، إن "طهران تسعى في هذه المرحلة للحفاظ على ماء وجهها، مع عدم إيلاء اهتمام يذكر للأوضاع الداخلية، إذ تركز طهران على صيغة تخفف الضغوط المفروضة عليها من دون أن تبدو وكأنها قدمت تنازلا أو رضخت لاستسلام استراتيجي".

أخبار ذات صلة

هرمز.. معركة كسر عظم الحرس الثوري الأخيرة
بعد أحداث الإثنين.. توقعات بـ"أمر حاسم من ترامب" خلال أيام

وأكدت تسوكرمان أن "استمرار هذا النهج أدى إلى تآكل متسارع في بنية الدولة من الداخل، حيث تتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وتضعف قدرة النظام على الاستجابة لمطالب المواطنين، الأمر الذي فتح الباب أمام حالة استنزاف داخلي طويلة الأمد، وكانت الاحتجاجات على مدار الشهور الماضية خير دليل على ذلك".

وأضافت "يبدو أن صناع القرار في طهران يتعامل مع الداخل الإيراني بوصفه ساحة مقيدة بالحسابات الأمنية، بما يجعله في حالة أقرب إلى الرهينة داخل معادلات السلطة، حيث تقدم اعتبارات الحفاظ على بقاء النظام واستمراريته على حساب تلبية الأولويات الداخلية المتزايدة".

وأكدت تسوكرمان أن إيران اليوم لا تقف تحت ضغط الحرب فقط، بل تحت ركام قرار داخلي جعل التهور طريقا إلى مجد وهمي، وانتهى إلى فاتورة صادمة يدفعها الشعب وحده.

ووفق المراقبين فإن إيران لم تهزم فقط بما أصاب منشآتها، بل بما أصاب قرارها، ولم يكن المعسكر السياسي بريئا من خيار التصعيد، ولم يكن المعسكر العسكري قادرا على تحمل كلفته. كلاهما راهن على مكاسب قوة، لكن الفاتورة ذهبت إلى الناس: عملة منهارة، اقتصاد ينكمش، مصانع مدمرة، ملايين على حافة الفقر والنزوح، وجوار لم يعد يثق.